مذبحة الفاشر: جريمة حرب لا تغتفر وشاهد على وحشية “الدعم السريع – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

في خضم الصراع الدامي الذي يمزق أوصال السودان، تبرز مدينة الفاشر المحاصرة بولاية شمال دارفور كشاهد مؤلم على وحشية الانتهاكات المستمرة التي ترتكبها مليشيا الدعم السريع. لا يكاد يمر يوم إلا وتتواتر فيه الأنباء عن جرائم فظيعة تستهدف المدنيين العزل والبنى التحتية، في سلوك إجرامي ممنهج ينذر بكارثة إنسانية وإبادة جماعية وشيكة. هذه الانتهاكات لم تعد مجرد “تجاوزات”، بل هي جرائم حرب مكتملة الأركان، ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، تستوجب تحركًا دوليًا عاجلاً وحازمًا.
إن البيان المروع الصادر عن نقابة المحامين السودانيين يُلقي الضوء على جريمة تقشعر لها الأبدان وتتجاوز كل الحدود الأخلاقية والإنسانية، وهي استهداف مسجد أبوشوك في مدينة الفاشر أثناء صلاة المغرب. مشهد استشهاد أكثر من ثلاثين مصليًا وإصابة العشرات من الشيوخ والأطفال والنساء داخل بيت من بيوت الله، لا يمكن وصفه إلا بأنه مجزرة إرهابية بامتياز.
هذه الجريمة لا تمثل اعتداءً على الأفراد وحقهم في الحياة فحسب، بل هي اعتداء على قدسية الأماكن الدينية ورمزيتها الروحية للمجتمع. وهي تذكّرنا بقدسية الأماكن التي وردت في محكم التنزيل في قوله تعالى: “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ” (البقرة: 114). استهداف مسجد يقع بالقرب من مركز إيواء يؤكد القصد الجنائي لاستهداف المدنيين الأبرياء بشكل مباشر ومقصود، وهو نمط متكرر يهدف إلى إحداث أكبر قدر ممكن من الذعر والقتل الجماعي.
ما حدث في الفاشر ليس حادثًا فرديًا معزولًا، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي مارستها مليشيا الدعم السريع منذ بدء النزاع، خاصة في إقليم دارفور. هذه الانتهاكات تشمل الاغتصاب الممنهج، والسرقة والنهب الواسع، والتهجير القسري للمواطنين من منازلهم، وغيرها من الجرائم الخطيرة التي تتطابق مع توصيف الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي.
إن استمرار هذه الممارسات الإجرامية، وتجاهل نداءات المجتمع الدولي، يضع المجتمع الدولي برمته أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية جسيمة. فـنقابة المحامين السودانيين محقة في مناشدتها لدول العالم وهيئاته ومنظماته بـالقيام بمسؤولياتهم تجاه استهداف المدنيين، وإدانة هذه الجرائم، والتحرك لوقف هذا النزيف.
مطالبة النقابة بـتصنيف مليشيا الدعم السريع مليشيا إرهابية وتقديم قادتها وأتباعها وداعميها للمحاكمات العاجلة هي مطلب عادل وضروري لردع هذه الجرائم وإنصاف الضحايا. إن صمت أو تردد بعض الأطراف الإقليمية والدولية إزاء هذه الانتهاكات يُعد تواطؤًا صامتًا يشجع المجرمين على التمادي.
إن الوضع في الفاشر يتطلب تحركًا دوليًا فوريًا وحازمًا، يتجاوز حدود الإدانة اللفظية إلى خطوات عملية وملموسة. هذه الإجراءات يجب أن تركز على شقين متوازيين: الشق الإنساني/الأمني لرفع الحصار، والشق القانوني لضمان المحاسبة هذه الإجراءات تهدف إلى إنهاء معاناة المدنيين وضمان وصول المساعدات وحماية المدينة، بفرض عقوبات فورية وموجهة على قيادات “الدعم السريع” وتجميد الأصول الدولية ومنع سفر القادة العسكريين الرئيسيين ومموليهم والميسّرين الإقليميين للانتهاكات، وتشديد العقوبات على مصادر تمويل الميليشيا، خاصة تلك المرتبطة بالتعدين غير المشروع وتهريب الموارد، لوقف قدرتهم على استدامة الحرب.
مطالبة مجلس الأمن الدولي تبني قرار ملزم يفرض وقفًا فوريًا لإطلاق النار حول الفاشر، تحت تهديد الفصل السابع، ويشمل سحب مليشيات الدعم السريع من محيط المدينة ومراكز الإيواء، والعمل مع القوات المسلحة السودانية والجهات الفاعلة الأخرى لتأمين ممرات إنسانية آمنة وخاضعة لرقابة دولية (أو إقليمية موثوقة) لإدخال الغذاء والدواء وإجلاء الجرحى، والدفع لتفعيل أو نشر آلية مراقبة ووقاية دولية (مبعوثين أمميين أو قوة إقليمية تحت مظلة الأمم المتحدة) للتحقق من وقف إطلاق النار وحماية المدنيين والبنى التحتية، خاصة المساجد والمستشفيات ومراكز الإيواء.
هذه الإجراءات تركز على جمع الأدلة وملاحقة المتورطين في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مع تعزيز دور المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، ويتم ذلك بتوفير التمويل والموارد الكافية لمكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، خاصة وأن المحكمة لديها بالفعل ولاية قضائية على جرائم دارفور، وتسهيل جمع الأدلة لالعمل مع نقابة المحامين السودانيين ومنظمات المجتمع المدني لتوثيق الشهادات وجمع الأدلة الرقمية والجنائية حول استهداف مسجد أبوشوك والمدنيين، لضمها إلى ملفات التحقيق الجنائية.
العمل على تبني تصنيف دولي واضح للميليشيات كمنظمة إرهابية من قبل الدول الكبرى والمنظمات الإقليمية، مما يفتح الباب أمام قوانين مكافحة الإرهاب لملاحقة داعميها وميسّريها الماليين واللوجستيين على مستوى العالم، مع إنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة ومحايدة بقرار من مجلس حقوق الإنسان أو الأمم المتحدة، على غرار “آلية التحقيق الدولية والمحايدة والمنسقة” (IIIM) المستخدمة في سوريا، لجمع وتحليل وحفظ الأدلة على الجرائم تمهيداً للمحاكمات المستقبلية. بجانب تطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية (Universal Jurisdiction) وحث الدول التي تسمح قوانينها بذلك على فتح تحقيقات ضد أي من قادة أو أفراد الميليشيا الذين قد يتواجدون على أراضيها أو يمرون بها، لضمان عدم إفلات المجرمين من العقاب أينما ذهبوا.
هذه الخطوات تتطلب إرادة سياسية دولية حقيقية لوضع مصالح الشعب السوداني فوق أي اعتبارات جيوسياسية أخرى، والعمل السريع قبل أن تتحول الفاشر إلى شاهد قبر جديد للضمير الإنساني.
في الختام، إن مذبحة مسجد أبوشوك في الفاشر هي صفحة سوداء جديدة تُضاف إلى سجل مليشيا الدعم السريع، وتذكير صارخ بأن حماية المدنيين السودانيين لا تحتمل التأجيل. إن الفاشر المحاصرة تنادي المجتمع الدولي بأن يفي بعهوده الإنسانية، وأن يوقف آلة القتل والدمار التي تهدد وجود دولة وشعب. لا سلام ولا استقرار ممكنًا طالما بقي مرتكبو هذه الجرائم فوق القانون.





