علاء عماد الدين البدريمقالات الرأي
أخر الأخبار

هل نعلّم أبناءنا للنجاح… أم للفشل بطريقة أنيقة؟ ✍️ د. علاء عماد الدين البدري

في كل صباح يتجدّد الأمل وتحمل ساعات اليوم الجديد فرصة ثمينة نحو بناء مستقبل أفضل لأبنائنا ولعلّ من أولى الأولويات التي لا تحتمل التأجيل هي إعادة النظر في شكل التعليم الذي نقدّمه ومحتواه وأهدافه ونتائجه إن واقع التعليم السوداني رغم ما تحقق فيه من جهود تطوير في فترات سابقة لا يزال بحاجة ماسة إلى مراجعة جذرية تواكب التحولات المتسارعة في العالم وتُجيب عن سؤال محوري هل نحن نعدّ أبناءنا للحياة أم فقط لاجتياز الامتحانات؟

 

لقد أثبتت التجربة أن التعلّم الحقيقي لا يُقاس بعدد المقررات ولا بحجم المعلومات في الحقيبة بل بما يكتسبه الطالب من مهارات وقدرة على التفكير والابتكار والتفاعل مع محيطه إن المطلوب اليوم ليس المزيد من الحشو بل المزيد من الفهم نريد مناهج تُربّي العقول لا تُكدّس المعلومات مناهج تُعلّم الطالب كيف يفكّر لا بماذا يفكّر ما يحتاجه الطالب هو محتوى مبسّط عميق ومُلهم لا مجرد صفحات مكتظة تُثقله دون أن تُثريه.

 

وفي ظل هذا الواقع من غير المنطقي أن تستمر المناهج بالتركيز المفرط على الجانب الأكاديمي النظري دون أن تتيح للطلاب فرصًا حقيقية للتعلّم العملي والمجالات الفنية والتقنية والمهنية التي أصبحت في طليعة ما يحتاجه سوق العمل في كل أنحاء العالم السودان بما يملكه من طاقات شبابية هائلة يحتاج إلى إعادة توزيع الفرص التعليمية بحيث يجد كل طالب مكانه الصحيح وفق قدراته وميوله لا أن يُدفَع جميعهم إلى مسار واحد لا يُلائم الجميع.

 

وفي قلب العملية التعليمية يقف المعلم لا يمكن أن نتحدث عن تطوير حقيقي دون أن نُولي المعلم ما يستحقه من اهتمام مادي ومعنوي إن تحسين الرواتب وتقديم الحوافز وتوفير بيئة عمل محترمة وآمنة ليست مطالب ترفيّة بل هي الأساس الذي يُمكّن المعلم من أداء دوره التربوي والمهني بأفضل صورة كيف نطلب من معلم يعيش في ظروف معيشية قاسية أن يُلهم ويبدع ويصنع التغيير؟ إن المعلم هو باني الأجيال وصانع الوعي وإذا أردنا تعليمًا حقيقيًا فعلينا أن نستثمر فيه أولاً.

 

كما لا يمكننا أن نغفل الدور الجوهري الذي تلعبه الأسرة في العملية التعليمية وليّ الأمر ليس مراقبًا خارجيًا بل شريك حقيقي في التربية كلمة تشجيع في الصباح أو سؤال بسيط عن اليوم الدراسي قد تصنع فارقًا كبيرًا في نفس الطفل وتدفعه إلى الأمام بخطى واثقة.

 

ومن الأهمية بمكان أن ندرك أن الطفل ليس مجرد مرحلة عمرية عابرة علينا المرور بها بل هو ركيزة المستقبل ومن سيصنع القرار في الغد كل ما نزرعه فيه اليوم من قيم ومعرفة ومهارات سيُثمر غدًا في شكل قادة ومهندسين وأطباء وعمال وفنانين ومبدعين… كلٌ في مجاله علينا أن نتعامل مع الطفل على هذا الأساس لا ككائن صغير يُطلَب منه فقط أن يحفظ ويسمع بل كإنسان له قدرات وطموحات وحقوق في تعليم يليق به وبوطنه.

 

من هنا فإن بناء مناهج جديدة ترتكز على رؤية وطنية مستقبلية أصبح ضرورة رؤية تُشارك فيها الجهات المعنية والمعلمون والمربّون والخبراء رؤية تتجاوز منطق الكم وتركّز على الكيف رؤية تُعلّم الطفل أن يسأل ويُناقش ويجرب ويُخطئ ويتعلّم لا أن يحفظ ويسرد ويُنسى بعد الامتحان ، لنعِد النظر في فلسفة التعليم من جذورها ونخاطب صنّاع القرار التربوي بكل صدق ابنوا مناهج تُواكب العصر وامنحوا المعلم حقّه والطفل مكانته إن أردتم وطنًا قويًا مبدعًا لا تابعًا ولا مُستهلكًا فقط.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام