إندونيسيا تصنع المعجزة.. فماذا ينتظر السودان؟ ✍️ فريق شرطة حقوقي – محمود قسم السيد

حين يتحدث العالم اليوم عن “القرن الآسيوي”، فإن إندونيسيا لم تعد على الهامش، بل صارت إحدى ركائزه الكبرى. بلدٌ مترامي الأطراف، يمتد على أكثر من سبعة عشر ألف جزيرة، كان يُنظر إليه لعقود كأمةٍ غارقة في الفساد والانقسامات، فإذا به يتحول في عقدين فقط إلى قوة اقتصادية صاعدة ضمن مجموعة العشرين (G20)، وإلى أكبر اقتصاد رقمي في جنوب شرق آسيا.
هذه المعجزة لم تولد من فراغ، ولم تُصنع في القصور، بل من القرى البعيدة التي تحولت إلى مصانع إنتاج ودوائر قرارٍ محلي. فالتنمية في إندونيسيا بدأت من القاع، ومن الإنسان البسيط الذي استعاد حقه في رسم مصيره، لا من أعلى الهرم الإداري.
من المركزية الخانقة إلى اللامركزية الواعية
بعد سقوط نظام سوهارتو عام 1998، أدركت جاكرتا أن طريق الإصلاح لا يمر عبر الشعارات بل عبر نقل السلطة والموارد إلى الناس. فتم إصدار قانون القرى عام 2014 الذي خصص نحو 10% من الموازنة القومية لتودع مباشرة في حسابات القرى.
منذ ذلك التاريخ، تدفقت إلى القرى أكثر من 600 تريليون روبية، وأُنشئ أكثر من 260 ألف كيلومتر من الطرق الريفية، وانخفض عدد الفقراء بالملايين.
تحولت القرى إلى مراكز قرار وتنمية، وصارت التنمية “عضوية” لا “تجميلية”؛ نابعة من الاحتياج المحلي، لا مفروضة من العاصمة.
وهكذا انطلقت النهضة من الحقول لا من الأبراج، ومن الطين لا من الرخام.
اقتصاد شبكي.. لا مركز له
اعتمدت إندونيسيا نموذج الاقتصاد الشبكي لا المركزي، فجعلت لكل جزيرة وظيفتها:
جاوة: مركز التصنيع والتكنولوجيا
سومطرة: الزراعة والطاقة
كاليمنتان: التعدين
سولاويسي: المعادن الإستراتيجية
بالي: السياحة والخدمات الرقمية
وربطت هذه الجزر بشبكات نقل وموانئ حديثة خلقت ما يشبه سلسلة توريد داخلية، قللت الاعتماد على الخارج، وولّدت توازناً تنموياً يوزّع الثروة لا يكدّسها.
تحرر من التبعية.. واستقلال في القرار
بعد التجربة القاسية مع صندوق النقد في التسعينات، أدركت إندونيسيا أن الاستقلال لا يُقاس بالسيادة السياسية فقط، بل بالقدرة على إنتاج القرار الاقتصادي.
أوقفت تصدير النيكل الخام عام 2020، وألزمت الشركات الأجنبية بإنشاء مصانع داخل أراضيها. فارتفعت الإيرادات، ونشأت شراكات متكافئة مع الصين وكوريا الجنوبية وأوروبا.
تبنّت جاكرتا فلسفة “الاستقلال الفعّال”: أن تكون صديقًا للجميع، ولا تابعًا لأحد. فنجحت في أن تصبح محورًا استراتيجيًا محايدًا بين القوى الكبرى، دون أن تفقد بوصلتها التنموية.
الإنسان أولًا
لم تراهن إندونيسيا على البنى التحتية وحدها، بل على رأس المال البشري.
أنشأت جامعات تقنية ومراكز تدريب في كل الأقاليم، وأطلقت برنامج “1000 مهندس وطني سنويًا” بالشراكة مع القطاع الخاص.
فالنهضة الحقيقية – كما تؤمن جاكرتا – لا تصنعها الآلات، بل العقول التي تديرها.
السودان.. الدروس المستفادة
السودان اليوم، بتنوعه الجغرافي والسكاني، يملك مقومات تفوق ما كانت تملكه إندونيسيا في بداية نهضتها.
لكن الفارق يكمن في غياب الرؤية المتكاملة واستمرار المركزية القديمة التي تخنق الأطراف وتبدد الطاقات.
يمكن للسودان أن يستفيد من التجربة الإندونيسية عبر خمس ركائز:
1. اللامركزية التنموية الحقيقية
لا تنمية بدون تمكين محلي.
يجب تحويل المحليات والقرى إلى مراكز قرار تمول مباشرة، وتُحاسب على الأداء لا الولاء.
2. تنويع الاقتصاد
الاعتماد على الذهب والصادرات الأولية يشبه حال إندونيسيا قبل الإصلاح. الحل في إنشاء سلاسل إنتاج متكاملة: التعدين + التصنيع + التصدير.
3. الاستثمار في الإنسان
يجب ربط التعليم بالتنمية المحلية: معاهد مهنية، كليات تقنية، ومبادرات تدريبية تمولها الدولة والقطاع الخاص معًا.
4. محاربة الفساد المؤسسي
الإندونيسيون نجحوا حين حوّلوا الشفافية إلى ثقافة وطنية لا شعارات.
إنشاء هيئة مستقلة للنزاهة والشفافية يكون لها صلاحيات فعلية خطوة لا بد منها.
5. الاستقلال في القرار الاقتصادي
على السودان أن يتحرر من عقلية “المانحين والممولين” إلى عقلية الشركاء والمستثمرين.
فمن لا يملك قراره الاقتصادي، لا يملك قراره السياسي.
خاتمة
لقد علمتنا إندونيسيا أن النهضة لا تصنعها الثروات الطبيعية، بل الثقة بين الدولة والمواطن، وأن التنمية الحقيقية تبدأ من القرية لا من العاصمة.َ
كما علمتنا أن الفقر ليس قدراً، بل نتيجة لضعف الإدارة وغياب الرؤية.
فهل يتعلم السودان الدرس، ويصنع من قراه بوابات للنهوض، ومن تنوعه جسورًا للثقة لا جدرانًا للانقسام؟
الطريق طويل، لكنه ليس مستحيلاً إذا توفرت الإرادة والإدارة والرؤية.
والله ولي التوفيق





