اليوم العربي للبيئة: نافذة على أزمة السودان البيئية المتفاقمة – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

يُعد اليوم العربي للبيئة، الذي يُحتفل به في 14 أكتوبر من كل عام، مناسبة مهمة لتسليط الضوء على التحديات البيئية الجسيمة التي تواجه منطقتنا العربية. هذا اليوم، الذي أُقرّ إحياءً لذكرى انعقاد أول مؤتمر وزاري عربي لشؤون البيئة في تونس عام 1986 أو 1989 (وفقًا لبعض المصادر)، ليس مجرد احتفال روتيني، بل هو دعوة ملحة لتعزيز الوعي البيئي وتفعيل التعاون العربي لمواجهة قضايا مثل التصحر، ندرة الموارد المائية، والتغير المناخي. لكن في خضم هذه الاحتفالات، يجب أن نخص بالذكر المناطق التي تُعاني أشدّ المعاناة، وفي صدارتها السودان، حيث تتشابك الكوارث الطبيعية مع ويلات الحرب.
لطالما كان السودان، بثرائه وتنوعه البيولوجي وموارده الطبيعية، عرضة للتحديات البيئية الكبرى مثل التصحر والجفاف. ومع ذلك، فقد أدت الحرب الأخيرة إلى مضاعفة هذه الأزمة لتصل إلى مستويات كارثية. إن الصراع الدائر لا يقتصر تأثيره على الخسائر البشرية والتدمير العمراني فحسب، بل يمتد ليشمل تدهورًا بيئيًا غير مسبوق.
تخلف العمليات العسكرية تلوثًا خطيرًا للمياه والهواء والتربة. فالانفجارات، وحرائق المنشآت الحيوية (المصافي والمصانع)، واستخدام الأسلحة، تُطلق غازات بارود ومواد كيميائية ثقيلة وشظايا ومقذوفات غير متفجرة. هذا المزيج السام يهدد المياه الجوفية والسطحية، ويؤثر على خصوبة التربة، مما يعرض صحة الإنسان والحيوان لخطر التسمم والأمراض طويلة الأمد. كما أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية لمعالجة المياه والصرف الصحي تُفاقم من خطر تفشي الأمراض المعدية مثل الكوليرا وحمى الضنك.
أجبر النزاع ملايين السودانيين على الفرار، مما أدى إلى تمركز أعداد هائلة من النازحين في مناطق جغرافية محدودة. هذا التمركز يزيد بشكل كبير من الطلب المحلي على الموارد الطبيعية الشحيحة أصلاً، خاصة الخشب للوقود والمياه. يؤدي هذا إلى إزالة الغابات وتدهور الأراضي بمعدلات متسارعة، مما يقلل من قدرة البلاد على الصمود أمام التغيرات المناخية ويزيد من حدة التصحر.
توقفت الكثير من الأنشطة الزراعية وتضررت الأراضي، مما يهدد الأمن الغذائي للسودان، الذي يعتمد جزء كبير من اقتصاده وسبل عيش سكانه على الزراعة. كما أن تدمير البيئات الطبيعية واضطراب النظام البيئي أدى إلى ظهور حيوانات برية (كالثعابين) في المناطق السكنية المهجورة أو المتضررة، مما يشكل خطرًا مباشرًا على العائدين والمقيمين.
في يوم البيئة العربي، تتجلى الحاجة إلى نهج عربي ودولي شامل لا يقتصر على المساعدات الإنسانية فحسب، بل يضع التعافي البيئي في صميم جهود إعادة الإعمار والسلام المستدام في السودان.
الإجراءات المطلوبة تشمل تقييم الأضرار البيئية بإجراء مسوحات وتقييمات عاجلة ودقيقة لحجم التلوث وتدهور الأراضي، وإزالة مخلفات الحرب بتوفير برامج واسعة لإزالة المتفجرات غير المنفجرة والمواد الكيميائية السامة، ودعم البنية التحتية البيئية مع إعادة بناء وصيانة محطات معالجة المياه وشبكات الصرف الصحي، وتعزيز القدرة على التكيف مع دعم برامج مكافحة التصحر والتشجير والتنمية البشرية في المناطق الأكثر تضررًا، مع التركيز على استخدام الزراعة الذكية وتقنيات نظم المعلومات الجغرافية.
إن حماية البيئة في السودان هي جزء لا يتجزأ من حماية الإنسان، والسلام، والمستقبل. يجب أن يتحول اليوم العربي للبيئة إلى مناسبة للتعهد الملموس بإنقاذ ما تبقى من بيئة السودان، وإلا فإن تداعيات هذا الدمار ستطارد الأجيال القادمة وتنسف أي فرصة للسلام المستدام.





