صلاح غريبةمقالات الرأي
أخر الأخبار

رؤية وطنية لضمان الجودة ودورها المحوري في بناء السودان الجديد – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

يصادف الرابع عشر من أكتوبر من كل عام مناسبة عظيمة في الأجندة الدولية، إنه اليوم العالمي للمواصفات، وهو احتفال لا يقتصر على كونه تقليداً سنوياً، بل هو تجديد للعهد بأهمية “التقييس” كركيزة أساسية للتنمية المستدامة، وحماية المستهلك، وتعزيز التبادل التجاري. وفي سياقنا السوداني، يكتسب هذا اليوم بعداً وطنياً خاصاً، لا سيما في ظل الظروف الراهنة والتحديات التي يواجهها الوطن في مسيرته نحو البناء والتعافي.

لطالما كان شعار الاحتفال باليوم العالمي للمواصفات يلامس جوهر التحديات العالمية، ولكن في السودان، تترجم هذه الشعارات إلى أفعال وخطط عمل طموحة تقودها الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس (SSMO). ففي ظل ما يمر به البلاد من حرب أثرت على البنية التحتية، ومن ضمنها بنية الجودة والمترولوجيا، تظل المواصفات هي خط الدفاع الأول عن الاقتصاد والمستهلك، وأداة لا غنى عنها لـ “إعادة البناء على نحو أفضل” وضمان أن تكون كافة الجهود المبذولة في عملية التعافي والبناء اللاحقة قائمة على أسس متينة من الجودة والفعالية.

تضطلع الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس بدور بالغ الأهمية، فهي ليست مجرد جهاز رقابي يضمن مطابقة السلع، بل هي مُحرك رئيسي للتنمية والاستقرار. فمن خلال إصدار المواصفات القياسية السودانية، التي تسعى لموازاة المواصفات الدولية، تعمل الهيئة على تحقيق جملة من الأهداف الوطنية:

حماية المستهلك والاقتصاد الوطني: تعد المواصفات هي المعيار الذي يضمن سلامة وصحة المواطن والبيئة. فمن خلال فحص المنتجات والسلع المستوردة والمحلية في مختبرات معتمدة، تضمن الهيئة عدم دخول أو تداول منتجات ضارة أو غير مطابقة، وتحدّ من ظاهرة الغش التجاري، وهو دور يكتسب أهمية مضاعفة في أوقات الأزمات لحماية حقوق الناس.

ترقية الصادرات وتعزيز التنافسية: لا يمكن للمنتجات السودانية أن تنافس في الأسواق العالمية والإقليمية دون شهادة جودة واعتراف عالمي. المواصفات القياسية هي جواز سفر الصادرات، فهي تمنح المنتجات الوطنية ميزة تنافسية وتؤكد للعالم أن المنتج “صنع في السودان” هو مرادف للجودة والمطابقة للاشتراطات الفنية العالمية. وتشمل جهود الهيئة في هذا الصدد تجهيز وإكمال مشروعات حيوية مثل النافذة الموحدة لصادر الذهب توحيد وتبسيط الإجراءات.

دعم التحول الرقمي والتنمية المستدامة: اليوم، أصبحت المواصفات أداة لتمكين التحول الرقمي، من خلال وضع معايير تضمن الاستغلال الأمثل للتكنولوجيا الذكية وتسهيل المعاملات الأساسية وحوسبة وثائق الأنشطة، مما يوفر الجهد والوقت والمال، ويصب مباشرة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

رغم التحديات التي فرضتها ظروف الحرب، وتدمير البنى التحتية، أظهرت الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس مرونة وإصراراً على الاستمرار في تقديم خدماتها الحيوية، خاصة في مجالات الرقابة على الواردات والإنتاج المحلي، والقياس والمعايرة (المترولوجيا). هذا الإصرار يعكس رؤية وطنية تهدف إلى بناء سودان قوي تنافس صادراته في الأسواق العالمية، ويكون بوابة حصينة لواردات ذات جودة عالية.

في اليوم العالمي للمواصفات، يجب أن ندرك أن نظام التقييس برمته يقوم على مبدأ التعاون. لذلك، فإن الدعوة اليوم هي للتكاتف والتعاضد بين كافة الشركاء، من حكومة وقطاع خاص ومستهلكين، لدعم الهيئة في مساعيها لتطوير البنية التحتية للجودة ونشر ثقافتها لتصبح سلوكاً حياتياً. فالمواصفات ليست مجرد أوراق، بل هي ثقافة اتقان و ضمانة للمستقبل، وإذا أردنا أن نفتخر بشعار “صنع في السودان”، فعلينا أن نضمن أن لا يُوضع هذا الشعار إلا على منتج يطابق أعلى المواصفات والاشتراطات الفنية.

إن الاحتفال بهذا اليوم هو فرصة للتأكيد على أن المواصفات هي حجر الزاوية والعامل الأساس لمرحلة البناء والتعمير في السودان ما بعد الحرب، وهي بوصلة توجه جهودنا نحو الاستقرار والتعافي الاقتصادي والرفاهية المنشودة. فلنعمل سوياً، برؤية مشتركة، لبناء سودان حديث، قوي، ومنتج، يتمتع بثقة العالم في جودة منتجاته.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام