هل ينجح الذكاء الاصطناعي في قيادة قاطرة التنمية؟ – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

في خطوة تؤكد عزم مصر على تثبيت أقدامها بقوة في عصر الثورة الصناعية الرابعة، تستضيف جامعة القاهرة، صرح العلم العريق، النسخة الافتتاحية من المؤتمر الدولي للذكاء الاصطناعي 2025 (CU-AI Nexus) يومي 18 و19 أكتوبر. هذا الحدث ليس مجرد تجمع أكاديمي آخر، بل هو، كما يوحي المحتوى الإعلامي، “منصة وطنية محورية” تهدف إلى تسريع وتيرة تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحيوية وبناء “اقتصاد قائم على المعرفة”، وهو طموح يستدعي وقفة تحليل وتقييم لمدى جدية هذه الجهود وقدرتها على إحداث نقلة نوعية حقيقية.
الطموح المعلن واضح وجريء: تعزيز ريادة مصر إقليمياً في مشهد الذكاء الاصطناعي. وهذا الهدف لا يمكن تحقيقه إلا إذا كان المؤتمر بالفعل “محطة محورية للحوار الوطني، والتعاون، وصياغة السياسات”. المثير للإعجاب في محاور المؤتمر هو شموليتها وتركيزها على الأبعاد الثلاثة الضرورية لأي نهضة تكنولوجية مستدامة: الحوار الاستراتيجي، والابتكار العملي، وتنمية الكفاءات.
فـ “الندوات الحوارية” (Nexus Panels) تضمن وجود طاولة واحدة تجمع الحكومة والصناعة والأكاديميا لصياغة استراتيجيات وحوكمة تتجاوز التنظير إلى التطبيق القطاعي الفعال. هذه الجلسات الاستراتيجية هي العصب المفصلي للمؤتمر، فبدون تفاهم مشترك وتنسيق بين هذه الأطراف، ستظل الأهداف الوطنية مجرد حبر على ورق.
أما “ساحة الابتكار” (المعرض والشركات الناشئة) فهي تمثل الشريان الذي يغذي السوق بالحلول المبتكرة ويخلق فرص التواصل بين المبتكرين ورؤوس الأموال وصناع القرار. إن تحويل الأفكار إلى منتجات وشركات ناشئة هو المحك الحقيقي لقياس نجاح أي منظومة ابتكار. الرهان هنا هو مدى قدرة هذه الساحة على استقطاب استثمارات حقيقية ترفع من قدرة الشركات الناشئة المصرية على المنافسة.
الركيزة الثالثة، “مبتكرو المستقبل” (الهاكاثون)، هي الأكثر أهمية على المدى الطويل. استثمار جامعة القاهرة في تنمية الجيل القادم من مواهب الذكاء الاصطناعي من خلال “هاكاثون ضخم” يمتد عبر 20 كلية، يؤكد الوعي بأن التكنولوجيا مجرد أداة، وأن العقل البشري المبدع هو القوة الدافعة. تكريم الفائزين وعرض حلولهم في تحقيق التنمية المستدامة يرسل رسالة واضحة: الأكاديميا المصرية مستعدة لتخريج قادة قادرين على حل مشكلات الواقع.
ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر ليس في عقد المؤتمر، بل في تحقيق “النتائج الملموسة” التي يطمح إليها. فالنتيجة الرئيسية المعلنة، وهي إعداد “وثيقة سياسات شاملة” بتوصيات قابلة للتنفيذ، هي الاختبار الحقيقي لجدية هذا الحدث. يجب أن تتجاوز هذه الوثيقة العناوين البراقة لتغوص في التفاصيل الدقيقة لكيفية:
تمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي (من التمويل الأولي إلى التوسع).
معالجة الجوانب الأخلاقية والتنظيمية والحوكمية (لحماية البيانات وضمان عدم التمييز).
مواءمة البحوث الأكاديمية مع أولويات الصناعة (لتحويل الأبحاث إلى قيمة اقتصادية).
إن CU-AI Nexus 2025 يبدو كبوصلة حقيقية ترسم مسار مصر نحو المستقبل الرقمي. لكن التحول الحقيقي يتطلب أكثر من منصة للحوار؛ يتطلب إرادة سياسية مستدامة، وتخصيص موارد ضخمة، وقدرة على التكيف مع التغيرات التكنولوجية السريعة. نتمنى أن تكون وثيقة السياسات الناتجة عن المؤتمر هي خارطة طريق ملزمة، يتم قياس التقدم فيها بشكل دوري وشفاف، لضمان أن ينجح الذكاء الاصطناعي بالفعل في أن يكون قاطرة التنمية ومحرك “الاقتصاد القائم على المعرفة” الذي تطمح إليه مصر. الرهان الآن على المتابعة والتنفيذ.





