علي الفاتح الزبيرمقالات الرأي
أخر الأخبار

التعليم العام بين ثوابت المعرفة وتحديات المستقبل ✍️علي الفاتح الزبير الهاشمي

يُعد التعليم العام الركيزة الأساسية لأي نهضة بشرية، فهو المرآة التي تعكس وعي المجتمعات، والوعاء الذي يُصاغ فيه فكر الإنسان وقيمهِ ومهاراتهِ منذ نعومة أظفاره.

ومع تسارع وتيرة التحولات العلمية والتقنية في العقود الأخيرة، بات من الضروري أن نعيد النظر في المناهج التعليمية وأساليب التدريس على مستوى العالم، لنسأل أنفسنا بصدق: *هل التعليم الحالي يلبّي طموحات أجيال المستقبل؟*

 

 

*تباين المناهج بين الأمم: تنوعٌ أم تشتت؟*

 

تختلف المناهج التعليمية من بلد إلى آخر تبعاً لفلسفة التعليم التي تتبناها كل دولة، ومدى ارتباطها بثقافتها وهويتها وأولوياتها الوطنية.

ففي حين تركز بعض الأنظمة التعليمية – كالنظام الفنلندي مثلاً – على الإبداع، والبحث الذاتي، والاهتمام بالجانب النفسي والاجتماعي للطالب، نجد أن أنظمة أخرى – مثل بعض النظم الآسيوية – تركز على الانضباط، والحفظ، والتفوق الأكاديمي الصارم.

 

لكن هذا التباين لا يعني غياب القواسم المشتركة، إذ تتفق المناهج العالمية في جوهرها على أهمية إكساب الطالب مهارات التفكير، وإجادة اللغات، وإتقان العمليات الحسابية، وتنمية القيم الإنسانية. غير أن درجة العمق، وطريقة التناول، وأسلوب التقويم، تبقى هي الفوارق الحاسمة التي تصنع الفرق بين تعليمٍ يُخرّج مبدعاً، وتعليمٍ يُخرّج مقلداً.

 

*الرياضيات واللغات: لغة العقل ولغة العالم*

 

تُعتبر مادتا الرياضيات واللغات حجر الزاوية في أي نظام تعليمي متكامل.

فالرياضيات ليست مجرد أرقام ومعادلات، بل هي تربية للعقل على التفكير المنطقي والتحليل المنهجي، وهي التي تمد الإنسان بقدرة على التعامل مع المجهول، وتُنمّي ملكة الحلّ والابتكار.

أما اللغات، فهي أدوات التواصل والفهم الثقافي، ومن خلالها يتعرّف الإنسان إلى الآخر، ويعبّر عن ذاته، ويشارك في بناء المعرفة الإنسانية المشتركة.

 

ومع ذلك، لا تزال طرق تدريس هاتين المادتين – في كثير من دول العالم – أسيرة الحفظ والتلقين، بعيدة عن التطبيق الواقعي. فكم من طالبٍ يجيد حل المسائل الرياضية على الورق لكنه يعجز عن ربطها بموقفٍ حياتي؟ وكم من خريجٍ درس اللغة سنواتٍ طوالاً، لكنه لا يستطيع أن يُجري حواراً بسيطاً بطلاقة وثقة؟

 

 

*فعالية المواد التعليمية في إعداد الإنسان للحياة*

 

نجاح أي مادة تعليمية لا يُقاس بدرجات الامتحانات، بل بقدرتها على إعداد الإنسان لمواجهة الحياة، بفكرٍ ناقد، وروحٍ متعاونة، وقدرةٍ على التكيّف والتعلّم المستمر.

في هذا الإطار، تُظهر التجارب التربوية الحديثة أن دمج التكنولوجيا، والتعليم القائم على المشاريع، والتعلّم القائم على حلّ المشكلات هو الطريق الأمثل لتحويل المعرفة إلى مهارة، والمعلومة إلى وعي.

 

غير أن التطبيق العملي لا يزال محدوداً في كثير من الأنظمة، حيث يُنظر إلى التعليم بوصفه مرحلة تمهيدية للشهادة، لا لبناء الإنسان القادر على التفاعل مع متغيرات عصر الذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي.

 

 

*أوجه القصور: أين الخلل؟*

 

يمكن تلخيص أبرز مواطن القصور في التعليم العام على النحو الآتي:

 

1. التركيز على الكمّ لا الكيف: امتلاء المناهج بالمعلومات على حساب الفهم والتحليل.

 

2. ضعف تدريب المعلمين على استخدام استراتيجيات التعليم الحديثة.

 

3. غياب الصلة بين المدرسة والحياة العملية، مما يفصل التعليم عن الواقع.

 

4. التقويم التقليدي الذي يقيس الحفظ بدلاً من التفكير النقدي والإبداع.

 

5. ضعف الاستثمار في البحث التربوي القادر على تطوير المناهج وفق معايير علمية وواقعية.

 

 

*هل التعليم الحالي يلبّي طموحات المستقبل؟*

 

الجواب – للأسف –

لا يزال بين “لا” و“ربما”.

فالعالم اليوم يعيش ثورة معرفية غير مسبوقة، والتعليم ما زال يسير بخطى تقليدية لا تواكب حجم التحول.

الطلاب باتوا أكثر اتصالاً بالعالم الرقمي، وأكثر وعياً، لكن المدارس – في كثير من الأحيان – ما زالت تحاكي نماذج القرن الماضي.

مع تغيِّب واضح لغالبية أولياء الأمور ومفاهيمهم التقليدية،،لتعريف النجاح وقياساتهِ بالذات الأمهات اللاتي ينخدعنّٓ بالدرجات التحريرية المتحصلة نهاية العام الدراسي،، ونسبها العالية التي تُسمى نجاحاً.

ولعلٌٓ(التغبيش) الذي كان وما زال تنتهجهُ حكومات دول العالم الثالث بتجاهل المعلومات و الأصوات التي تنادي بالنظر في وضعية المناهج التعليمية التقليدية الخربة التي لا تتناسب والألفية الثالثة من الميلاد وثورة المعلومات يطرح سؤالاً مُلحاً:هل هنالك قصد لسبب مقنع لا نعرفهُ؟ ام انّٓ هنالك ثمة تخوف لكل ما هو حديث..؟؟

 

ومع ذلك، هناك بارقة أمل. فجهود الإصلاح التربوي تتسارع في بعض الدول العربية وكثير من الدول العالمية(السودان ليس من بينها) ، وتبرز مبادرات لدمج التفكير النقدي، وريادة الأعمال، والذكاء الاصطناعي في التعليم العام.

والوعي المتزايد لدى التربويين والباحثين يؤكد أن التغيير ممكن إذا ما توفر التخطيط العلمي والإرادة السياسية والاستثمار الحقيقي في الإنسان.

 

 

*نحو تعليم يليق بالإنسان*

 

لقد طرق الباحثون والمختصون في مجال التربية والتعليم كل الأبواب، بحثاً عن مناهج ووسائل ورؤى تخرجنا من النتائج غير المرضية للتعليم بشكله الحالي. والمستقبل لن يُمنح لمن يملك المال أو التقنية فحسب، بل لمن يملك إنساناً متعلماً، ناقداً، مبدعاً، قادراً على التعلم مدى الحياة.

 

إن التعليم ليس مجرد خدمة اجتماعية، بل هو مشروع وطني وحضاري، ومتى أدركنا ذلك بعمق، سنضع أقدامنا على أول طريق الإصلاح الحقيقي.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام