مرحبا بكم بشبكة زول نت .. للإعلان إضغط هنا

مقالات الرأي
أخر الأخبار

(عسكرتاريا) والاميرلاي ابراهيم النور سوار الدهب ✍️ محمد طلب

(عسكرتاريا)

والاميرلاي ابراهيم النور سوار الدهب

 

العنوان اعلاه( عسكرتريا) مقتبس من برنامج تلفزيوني تقدمه قناة العربية يهتم بالامور العسكرية والسلاح في عهد الانفتاح الفضائي الذي لم يشهده (الاميرلاي) ابراهيم النور سوار الدهب رحمه الله و(الاميرلاي) نفسها رتبة عسكرية (رفيعة) في التراتبية العسكرية و سوف يكون موضوع حديثنا في هذا المقال في جانب معين لهذا (الضابط العظيم) ابراهيم سوار الدهب .. اذ اننا لن نتطرق لتاريخ الرجل العسكري والمرتبط بالجانب السياسي لان ذلك يحتاج للتوثيق والامانة والمعلومات الدقيقة عن المرحوم .. لكن موضوع المقال سوف يرتكز علي محاضرة كنت ضمن حضورها في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي وانا طالب بالمدرسة الثانوية ومازالت عالقة بالذاكرة مثلما تشبثت شخصية (المحاضر) بالذاكرة البصرية والسمعية وشجون الماضي الذي ظل يغازل الذاكرة السودانية ويمارس اهواه مع الوجدان

 

لعل ما جعل هذه المحاضرة تقفز من عمق الذاكرة هو حديث (خبراء الاستراتيجية) الذي يفتقد للخبرة والاستراتيجية بوضوح وتعج به وسائل الاعلام ووسائطه في ايام هذه الحرب (العبثية) كما وصفها قادتها من جنرالات الطرفين

 

في ثمانينيات القرن الماضي كانت دار حفظ القران الكريم بالعيلفون منبر ديني وثقافي متفرد في منطقتنا و ذات اتجاه (اخواني) ومؤسسها الاستاذ الشيخ المرحوم ياسر عثمان جاد الله النذير رحمه الله وقد كان وقتها من جماعة (الاخوان المسلمين)

جناح الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد وكانت تضم من الرموز وقتها بروف الحبر يوسف نور الدائم والدكتور عصام احمد البشير وقد كانوا ضيوفاً كم امتعونا بمحاضراتهم القيمة في تلك الدار وذلك المنبر (الاخواني) قبل ان تتفرغ بهم السبل وبالجناح الاخر الذي حكم البلاد ثلاثة عقود الي عدد من الكيانات يصعب حصرها واضحت جماعاتهم (الاخوانية) كثيرة مما دعا بعضهم نتيجة هذا الشتات لتكوين كيان اطلقوا عليه ( *التيار* الاسلامي *العريض*)ولعل الاسم مقصود منه (الكم) بغض النظر عما سواه…. كما ان مؤسس الدار رحمه الله اتجه نحو الصوفية المعتدلة بفهم وتروي غير ان روح الاخوان ظلت تلاحقه… وقد حارب الانقاذ علي مدي سنواتها الطويلة وظل ملاحقاً منها معتقلاً ومراقباً و حبيساً حتي فتك به المرض بعد صبر طويل نسال الله ان يتقبله قبولاً حسناً

 

كانت تلك (الدار) تعج بالمحاضرات وكثير من الدعاة وكان يزورها (الاخوان) المصريين في رمضان الا اننا تفاجأنا في ذات ليلة رمضانية بمحاضر مختلف الا وهو (الاميرلاي) ابراهيم النور سوار الدهب المعروف في عهد حكومة (عبود) واظنه كان الحاكم العسكري لمدينة الخرطوم بحري التي تشهد هذه الايام اكبر حدث عسكري في تاريخها في الحرب الدائرة هذه الايام بالعاصمة

 

كان عنوان المحاضرة الذي ما زلت اذكره *( التكتيك الحربي في موقعة بدر الكبري)*

كان المحاضر وقتها ظابط جيش (عظيم) متقاعد لاكثر من ربع قرن لكنه قوي البنية في قوام متناسق و راس مرفوع وخطوات سريعة ومنتظمة ووجاهة متناهية في مظهره اذكر انه اعتلي المنصة عندما تم تقديمه بخطوات واثقة وكأنه ابن العشرين ما زال يحتفظ بالصرامة العسكرية وعلي وجهه نضارة وطيبة اهلنا ونظارة طبية يرتدي زياً مدنياً قومياً في قمة الاناقة الجلباب الابيض والعمامة المحترمة والشال الجميل دون الالوان وتلون هذا الزمان وعصا انيقة لا يبدو انه كان يتوكأ عليها وربما له فيها مأرب اخري… بدأ الرجل بعد البسملة والصلاة علي النبي وتحية الحضور مرتباً ومدرك لما سوف يقوله ويقدمه ومتوقعاً للاسئلة التي يمكن طرحها وجاهزاً للاجابه عليها ولا يوجد به ارتباك (خبراء الاستراتيجية) وعدم توقعهم لمكر اهل الاعلام ومباغتتهم بالاسئلة الذكية والجالبة للمهالك … كان الرجل رحمه الله في قمة الحضور الذهني ولغة الجسد المعبرة… وتحدث ما يقارب الثلاث ساعات متحدثاً ومجيباً علي اسئلة الحضور عن التكتيك الحربي في موقعة بدر الكبري…

بدأ المحاضرة بالسرد التاريخي عن احوال الناس في ذلك الزمان ثم دلف الي جغرافيا المنطقة والاحوال الاجتماعية وربط كل ذلك بالعلوم العسكرية والانسانية الحديثة و حول ادارة المعارك قبل الحرب واثناء المعركة وما بعد نتيجتها ولم يغفل عن الجوانب الانسانية في المعركة ومعاملة الاسري والمدنين التي توليها القوانين الحديثة اهتماماً بالغاً وان الاسلام قد سبق كل المنظمات الدولية والاممية في وضع الاساس للتعامل اثناء الحروب وبعدها ولم يجهل الغنائم وكيفية التعامل معها واتي للربط بما حدث في غزوة احد و أوصل للحضور الكبير بطريقة رائعة ان الرسول صلي الله عليه وسلم كان قائدا عظيماً ومحارباً فذاً و ملهماً تتجسد فيه كل معاني الانسانية كما ركز علي انه صلي الله عليه وسلم كان له اسلوبه الخاص في القيادة الجماعية وبناء الخطط العسكرية والسياسية علي التشاور والاخذ براي الخبراء وربطه بالواقع المعاش واحتياطات الخطط البديلة وعناصر المفاجأة وكيفية خلقها او مجابهتها..

واوضح سياساته صلي الله عليه وسلم في المصالحات والاتفاقيات وتقديم التنازلات متي ما رأي المصلحة العامة في ذلك وكان يستدل بالايات القرانية و بالسيرة النبوية والاحاديث والتاريخ الاسلامي حتي ظننا اننا امام احد (الدعاة) لكنه بدون لحية

 

قرابة الثلاث ساعات كنا في حالة (انتباه) ادركها المحاضر العسكري الحصيف وعلم ان الحضور لابد له من حالة (صفا) فكان يطلق دعابات خفيفة وساخرة جداً تطلق حالة استرخاء في الحضور لتزيد من انتباههم

كانت ليلة تفاجأ فيها الجميع حتي منظمي الدعوة ان الاميرالاي (اسلامي) من طراز فريد ليس( اسلامي بالمعني التنظيمي) المعروف لكنها الروح الفطرية (لاهل السودان) واعتزازهم المعتدل بدينهم وانتمائهم للاسلام دون مغالاة او مزايدات او ادانة للاخر او قتله دون جرم ..

 

لقد حدثنا في تلك الليلة الخالدة في الذاكرة سعادة (الاميرلاي) عن غزوة بدر بخيال خصب وعلم عسكري غزير وفهم واسع وادراك متعمق للايات الأحاديث جعلنا ضمن (المدنيين) الذين يشاهدون معركة مر عليها اربعة عشر قرناً من الزمان وكانها فيلم حربي تاريخي يُعرض امام اعيننا… ليتني استطع استنطاقه الان في حرب اليوم التي لم يشهدها ايضاً وهي الحرب الدائرة هذه الايام والتي تكاد ان تقضي علي الخرطوم التي كان حاكماً عسكرياً بها وان يحدثنا عن قوة دفاع السودان التي خرجته وترقي في رتبها العسكرية وميادينها الحربية الي ان وصل رتبة الاميرالاي وصار حاكماً للخرطوم بحري والتطورات التي حدثت لتلك (القوي) وسلبياتها وايجابياتها والمنحنيات التي تمر عليها ولها ما بعدها وكيف يمكن تجاوزها…

… يا الهي ما لي صرت احاول استنطاق الاموات حول هذه الحرب (العبثية) دون جدوي… الم يعد للاحياء من قادتنا حياة كي يجيبوا علي السؤال البديهي ثم ماذا بعد؟؟ ام انهم صاروا بلا حياء؟؟؟ ام ان الكل يظل يسأل الكل من اين اتي هؤلاء؟؟

 

سلام

 

محمد طلب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى