اختلاف دولة سودان ما بعد انتهاء الحرب اللعينة عن ماقبلها ✍️ البروفيسور فكري كباشي الامين العربي

ان أهم مباديء الديمقراطية تقتضي وتستوجب الإعتراف بالآخر, وتحتم على ممارسي النشاط السياسي قبول النقد الموضوعي البناء, والإجماع على أن أسلوب الحوار الحر المباشر يمثل الوسيلة الناجعة الى حل كافة الخلافات وليس اية من الكيانات التي على الساحة من يدعي الحق في قيادة الحراك منفردا دون الاخرين وحتى المكونات السياسية التقليدية ينبغي ان تسعى الى القياس الحقيقي لحجمها الطبيعي داخل المجمتع قبل الانتخابات , وللأسف ليس لدينا أجهزة واليات محايدة وذات مهنية عالية تعمد على قاس الراي العام والذي يتميز بالتغير المستمر وعدم الثبات على حالة واحدة وحتى خلال الفترة القصيرة ما بين العام 2019 وحتى اندلاع هذه الحرب اللعينة في ١٥ ابريل ٢٠٢٣م جرت مياه كثيرة من تحت الجسر وادت الى تولد قناعات جديدة أوساط الجماهير ولا شك ان القياس الدقيق لاتجاهات الرأي العام لدى الجمهور العام أو لدى فئات مختارة منه سيتيح الفرصة للفعاليات السياسية المختلفة وأجهزة الدولة في اتخاذ قراراتها على ضوء الحقائق الموضوعية، كما يسمح للدولة والمنظمات المختلفة فيها أن توجه الرأي العام توجهاً سليماً، وأن تحشد قوته وتركزها لتتجه اتجاهاً مساعدا لخطط التنمية لسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يتماشى مع الاتجاهات الحديثة في التأثير على الرأي العام , وعلما اعتقد ان اول صدمة بعد القياس العلمي للرأي العام وفق المعطيات التى ذكرت سوف تتفاجا الكيانات السياسية بحدوث التغيير الكبير في المعادلة وفق المعطيات الحديثة التي طرأت على الساحة , مما يحتم إدخال مفاهيم جديدة ويقتضي تحليل موضوعي لمكونات للبيئة المتعددة ومن أهم الملاحظات المهمة ان الغالبية العظمى في تقديري من مكونات الشعب السودانى حاليا تعتبر من شريحة الشباب المتعلمين والذين ليس لديهم انتماءات سياسية داخل الأطر التقليدية في الساحة , وهذا يقود الى أهمية تغيير النمط القيادي وتغيير لغة التخاطب في المرحلة القادمة وما يعقبها من تحول ديمقراطي يختلف تماما عن ما كان ماقبل اندلاع هذه الحرب اللعينة ، كما من الواضح ذبول مفهوم الولاءات التقليدية. وهذا عامل مهم يستوجب ضرورة وجود برامج حقيقة تخاطب وجدان الأغلبية لهذه الأكثرية الشابه من اجل المفاضلة فيما بين المكونات السياسية المختلفة التى تطرح أنفسها كخيارات في مرحلة الإعمار وبناء ما دمرته هذه الحرب اللعينة , وقطعا ان الغلبة سوف تكون للبرامج الاكثر حيوية وكفاءة وقدره على تلبية طموح هذه الاغلبية وتحقيق التقدم والتطور والنمو وتكون مقنعة للذين سوف تتم مخاطبتهم , كما أسلفت انهم من الشباب المتعلم والذي يبني خياراته وفق معايير موضوعية متجاوزا الانتماءات التقليدية المتوارثة , وهذا ما ينبغي أن تعية المكونات السياسية مبكرا وتضعة في الحسبان عند وضع استراتيجياتها للمستقبل وقبل الانتخابات بمدة كافية .
ولذلك ينبغي الإجماع الوطني حول القضايا الملحة المتمثلة في حفظ الأمن والاستقرار , وكذلك لا بد ان يدرك ولاة الأمر ان الحكم في السودان ليس غاية انما وسيلة لتحقيق أهداف قومية قوامها توفير الامن والسلام وسبل العيش الكريم وتحقيق الحرية في إبدا الراي والعدالة المطلقة دون قيود , كما ان اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية … والخلاف السياسي ضروري ومهم وحيوي لفاعلية النظام الديمقراطي شريطة أن يكون حول الوسائل والطرق التي تؤدي الى تحقيق الاهدف الكلية .
ولابد من الإشارة الى الأغلبية الصامتة من القوى السياسية الفاعلة والمؤهلة مهنيا وأخلاقيا والذين هجروا الانتماءات السياسية نتيجة للممارسات السابقة وظلوا يجلسون على الرصيف والبلد في أمس الحوجة الى مشاركتهم في بناء الدولة الحديثة الاهداف والتي تحقق المصلحة العامة لكافة افراد الشعب دون تمييز والتفرغ لمحاربة الأعداء الحقيقين للشعب السوداني وهم المرض والجهل والفقر وان العبور بالفترة الإنتقالية المتوقعة في السودان إلى بر الأمان يتطلب التعاون والانسجام بين المكونين العسكري والمدني .. وإجماع كل القوى السياسية والمجتمعية الفاعلة دون إقصاء أو إستثناء ، ولا يخفي على كل ذي بصيرة ان الدول التي تتمتع بالاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي هي تلك الدول التي رزقت بقادة شجعان حالمين صنعوا المستقبل ولم يتمنوه فقط، تنبؤوا بمتطلبات المستقبل ووضعوا الخطط البعيدة للنهوض بكافة الجوانب التي تضمن امتلاك القوة في جميع عناصرها، وما يراه الآخرون مستحيلاً يراه القادة الحالمون ممكناً، يعتمدون بعد الله على عقول وسواعد الملايين من شعوبهم، يبنون الثقة بينهم وبين الناس بحرصهم على مصالحهم وتحقيق العدالة ومكافحة الفساد، وحين يثق الشعب بقادته فإنه يتفانى في العمل لتحقيق رؤية القائد وتنفيذ خططه، كما يتقبل الناس ما يصدر من قادتهم من أوامر مهما كانت قاسية في نظر البعض لأنهم يؤمنون أنها في النهاية تصب في مصلحتهم.
من يتمعن في قصص بناء الدول يؤمن أن أهم عناصر النجاح هو وجود القيادة التي لديها القدرة على التخطيط الجيد والإرادة للتقدم وبناء المؤسسات الفعالة، وتلك التي تولي التعليم ما يستحقه من اهتمام ورعاية لتخريج كفاءات تمثل الثروة الحقيقية للوطن، وهذا هو ما تم في كثير من الدول في جنوب شرق آسيا مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وقبلها جميعاً اليابان التي خرجت من الحرب العالمية الثانية مثخنة بالجراح والفقر والفوضى، إذا احتكمنا الى معايير تقديم خدمات الامن والتعليم والصحة نسبيا كل السودان يعيش على الهامش , والحل يكمن في الإتفاق على إعداد خطة إستراتيجية قومية شاملة تغطي كل القطاعات والإلتزام الصارم بتطبيقها والاقرار ان المبادئ الاساسية في العلاقات الدولية تتمثل في الاحترام المتبادل لسلامة الاراضي والسيادة وعدم الاعتداء وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والمساواة والمنفعة المتبادلة والتعايش السلمي.
البروفسيور : فكري كباشي الأمين العربي





