مقالات الرأي
أخر الأخبار

في حضرة بنغازي يطيب الكلام – مقاربات – ✍️ د. مريم رضوان

عندما إندلعت الحرب في السودان كانت بنغازي هي الملاذ الآمن،لم تكن غريبة علينا أنا وأسرتي بل كانت المرفأ الذي عدنا إليه، بعد سنوات طويلة من الغياب والعودة إلى السودان. إحتضنتنا بروحها الطيبة وأمانها بما تحمله من تاريخ وأصالة، عدنا إليها ونحن نحمل ذكريات ميلاد أبنائي فيها ودراستي الجامعية بين جدرانها، وإقامتي التي طالت وعرفتني بكل تفاصيلها. عدت وأنا أحمل وجوه ناسها وأزقتها وملامحها التي لم تغادرني يوما، لم تكن العودة نفيا بل كانت عودة الروح إلى مكان أحبها وأعرفها . لم تكن العودة إلى بنغازي إجبارية، بل جاءت عن أريحية وراحة نفسية، كانت وما زالت الملجأ الذي يوفر لنا الأمل والإستقرار في وقت صعب.وأحتضنها ذات منفى، فعادت تحتضننا من جديد بعد فقدنا كل شيء. وطنا كان يعني لنا أكثر من مجرد حدود كان موطنا للأحلام. مأوى للأمل ومهدا للذكريات التي كنا نراها تتناثر مع الرياح، أما أملاكنا فقد كانت ليس فقط ملكا ماديا بل جزءا من ماض يربطنا بالمكان وبالذاكرة، وها هي تلك الذكريات تختفي في غياهب الفقد.

سكنا كان يوما ملاذا آمنا لنا وأرضا احتضنتنا بطمأنينتها، وضاع أماننا الذي كان يعطينا شعورا بالاستمرار، فكل زاوية في وطننا كانت شاهدة على لحظاتنا. وكل ركن كان يروي قصة من قصصنا اليومية، كانت أيدينا تمتد للبناء لا للبحث عن مأوى.

أما أهلنا فقد كانت العائلة التي تجعل للحياة طعما مختلفا، وها هي تلك الروابط تنفصل بسبب الظروف القاسية، تاركة وراءها شوقا وحنينا لوجوه كنا نرى فيها الرفقة والأمان.

ودراسة أبنائنا كانت الحلم الذي كنا نتطلع لتحقيقه لهم في بيئة صحية وآمنة، ولكن الظروف قد ألقت بظلالها على هذه الأحلام، وها هم أبناؤنا يواجهون تحديات جديدة في ظروف لم تكن في حساباتهم.لكن رغم كل هذا الفقد لا يزال هناك أمل في العودة، وإصرار على النهوض، قد تكون الأيام قاسية لكن أعتقد أن الأمل هو ما يبقي قلوبنا مشتعلة. وعزيمتنا لا تنكسر سنظل نبحث عن طرق جديدة للإنتصار، حتى وإن طال الزمن.

بنغازي أعادت لنا الأمل وسط الظلام، وجعلتنا نشعر أننا لم نكن وحدنا في هذا العالم ، لم تكن مجرد نقطة على الخريطة.بل كانت حضنا دافئا يحتضن من شردتهم نيران الحرب، في شوارعها إستعاد الكثيرون شعور الأمان، وفي أزقتها تنفسوا الحياة من جديد.

تغيرت بنغازي كثيرا إزدادت جمالا، لبست ثوبا جديدا يعبق بالعزيمة والأمل، زينت بألوان التفاؤل والإصرار. وإحتضنت الحياة في تفاصيلها من جديد، هذا الثوب ليس مجرد تغيير شكلي بل هو إعادة تشكيل للروح مليء بالرجاء، في مستقبل مشرق مشبع بالطموحات التي ينسجها سكان المدينة بعزيمة لا تلين.

تظهر بنغازي في كل ركن من أركانها قيادة وأعية رشيده، أدركت أن التنمية لا تتحقق بالكلمات فقط،بل بالعمل الجاد على الأرض. وقد تجسد ذلك في التطور الملحوظ في بنية المدينة، تسير بخطى ثابتة نحو التقدم، وتبني مستقبلا مشرقا لأبنائها. هذا النهوض في بنغازي هو تعبير حقيقي عن الروح الليبية، التي لا تعرف الاستسلام، والتي تبقى دائما مشتعلة بالأمل والطموح. مهما كانت التحديات فكل خطوة تتخذها نحو التجديد، وكل نجاح تحققه يعكس تلك العزيمة التي لا تتراجع، والإصرار على النهوض .كل جزء من هذه المدينة يروي قصة التحدي النهضة والأذدهار، وكأنها تعلن للجميع أن الدماء الجديدة والأحلام التي لا تموت، يمكن أن تعيد لها بريقها وتستعيد مكانتها.بنيانها لم يعد مجرد مباني وشوارع بل أصبح رمزا للأمل والطموح، أصبحت بنغازي بمشاريعها التنموية وسعيها الدؤوب نحو إعادة الإعمار، منارة جديدة تضيء دروب الأجيال القادمة. خصوصا في مجالات التعليم، الاقتصاد والنمو الحضري والإستثمارات وفي كل المجالات .

بنغازي بكل ما تحتويه من معالم وتطورات هي شهادة حية، تظهر في كل حجر وكل شارع في المدينة،

تبدو قصة بنغازي وكأنها تكتب من جديد ولكن هذه المرة كنموذج يحتذى به. تنهض بمشاريع ضخمة تشمل تطوير البنية التحتية وصيانة الطرق، وإنشاء مرافق حديثة، جيل جديد يضيء شوارعها بالقيم والعلم والعمل.

وفي ركن آخر من الحكاية

كانت هناك قلوب نقية نفوس بيضاء، أناس زينوا اسمهم بالذهب،كانوا بمثابة السند والجبل الذي لا يهتز. وقفوا إلى جانبنا في أشد أوقاتنا حرجا، منحونا قلوبهم قبل أي شيء آخر، إحتضنونا بصمت النبلاء.

وقدموا ما أستطاعوا دون إنتظار كلمة شكر. لهم أدورا لا تنسى في حياتنا، كل يد إمتدت كل كلمة طمأنت، كل موقف دعم، ستبقى في الذاكرة.

وستأتي لحظة الإعتراف…

لأن رد الجميل دين لا يسقط بالتقادم.

أولئك الأشخاص

وجوههم محفورة في وجداني، وملامحهم باقية لا تمحوها الأيام،ومواقفهم ستظل نورا أقتدي به حين أكون قادرة على ردالجميل.

أتمنى أن يكتب لي يوما ، أن أرد لهم ما إستطعت. وأن أكون في حياة غيري، كما كانوا في حياتي سندا وضميرا حيا، وظلالايخذل.

فشكرا لبنغازي

شكرا لأهلها

شكرا لأهلي السودانيين

شكرا لمن آمن أن الوطن أوسع من حدود، وأعمق من جغرافيا.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام