مقالات الرأي
أخر الأخبار

من المأساة إلى المهزلة ، حين يتحول الضحية إلى متهم – همس الحروف – ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

في ظلّ التوهان الذي تعيشه بلادنا ، تغدو الساحة العامة ميداناً خصباً لحرب إثبات الذات ، لا لخدمة الحقيقة ، بل لإشباع نزعة التفوّق الكذابة و المضللة ، و إبراز العضلات ، حيث تسود الشخصنة على منطق المؤسسات ، فتختزل القضايا العامة في صراعات فردية ، وتتقدم (الأنا) لطمس معالم الحقائق تعمداً و تعنتاً … و في هذا المناخ المشحون ، يصبح التعامل مع البلاغات و الخصومات محكوماً برغبات النفوذ و المظاهر ، لا بروح القانون ، فتضيع الحقوق بين إستعراض القوة و سوء استغلال السلطة ، و جهل المتسبب بحصافة الشعب و عدالة السماء .

 

في مشهد يبعث الحسرة قبل الدهشة ، حينما يجد بعض المواطنين أنفسهم في مفارقة قانونية مؤلمة ، تبدأ بالاستنجاد بالشرطة لرفع الضرر و الظلم ، وينتهي بهم الحال إلى إتهامهم بما لم يرتكبوه ، و يتم ذلك نهاراً جهاراً ظناً منهم أنهم خارج دائرة المحاسبة ، و هي حالة تكشف خللاً معيباً و خطيراً في آليات التعامل مع الشكاوى ، و سوء إستغلال السلطة ، و مثل هذه الظواهر التي تتفوق فيها (الأنا) على الضمير تطرح تساؤلات حقيقية حول مفاهيم العدالة و المواطنة ، و حماية الحقوق ، و ثقافة تطبيق القانون ، في واقعة غير مألوفة على هذا الشعب المكلوم ، و لكنها ليست نادرة ، و يمكن أن تحدث إذا توفر السلطة في يدي أي جاهل و مريض لا يحسن إدارتها ، و لا يعرف أو يحس بعواقب ما فعل .

 

تخيلوا معي مواطناً قد تعرض لضرر واضح ، فيهرع إلى الشرطة طلباً للنجدة والحماية ، ظناً منه أن القانون هو السند والملاذ الآمن ، و لكنه يفاجأ لاحقاً بأنه مدرج في لائحة الإتهام في محضر نفس القضية التي كان هو أول من بادر لفتحها لحماية حقوق هو مؤتمن عليها ، هذه ليست قصة خيالية ، بل واقع يتكرر في بعض الأروقة القانونية ، نتيجة سوء تقدير (فرد) إشتهر بإفتعال مثل هذه العراقيل لشيء في نفس يعقوب ، و قد يعلم الجميع هدف هذا السلوك المعوج و المفضوح .

 

أحد أبرز هذه الأسباب يكمن في تحوير الوقائع عمداً لإرباك مشهد التحقيق حتي يتوافق مع القصة التي إختلقها من بنات أفكاره ، مستغلاً سلطته ، و خصوصاً أن بيده خيوط القضايا و يعرف كيف يمارس لعبة البيضة و الحجر ، و يعرف كيف يحرك الثغرات في الإجراءات ، و ضليع في إستغلال فجوات القانون ، و كما لا يمكن استبعاد العامل النفسي في بعض الشخصيات المريضة بحب السلطة في مثل هذا الأمور ، و يجهل متابعتنا له الدقيقة في كل خطواته التي يسلكها ، متناسياً أن عين الله فوق كل رقيب .

 

عندما تم تحول الضحية إلى متهم في هذه القضية المعنية ، فإننا لا نكون أمام مجرد خطأ عابر في مسار العدالة ، بل أمام مشهد عبثي تتقاطع فيه سوء النية مع ضعف الكفاءة . و في هذه القضية تحديداً يعلم راعي الغنم في أقصى البادية ، ببديهته الفطرية و نقائه القروي ، أن ما جري ليس سوى (شربكة) مكشوفة ، و مفضوحة العورة ، يراد منها حفظ ماء وجه رمادي ، فقد لونه أمام وضوح الحقيقة ، و هي محاولة يائسة لتجميل خطأ فادح في الإجراءات ، لا تخفى حتى على من لا يقرأ و لا يكتب ، وليس له علم قانوني أو يتمتع بثقافة المحاكم ، لأن العدل حين يتم تزويره ، تصرخ به الفطرة قبل القانون .

 

 

إن الأثر الذي خلفته هذه القضية لا يقتصر على الشخص الذي وقع عليه الضرر فقط ، بل يتجاوز حدود هذا الفرد المكلوم ليطال النسيج الاجتماعي بأسره ، و هذا أخطر شيء على ظهر البسيطة ، حين يرى الناس كيف يتحول المظلوم إلى متهم ، تهتز الثقة في الأجهزة و العدلية ، و التنفيذية المصاحبة ، و تتراجع القناعة لدي الشعب بجدوى اللجوء إلى القانون ، أما على المستوى النفسي ، فإن المظلوم لا يحمل فقط وجع الظلم ، بل يرزح تحت عبء الإحساس بالعجز ، وفقدان الأمان ، والخوف الدائم من تكرار مثل هذه التجربة ، وهكذا ، لا يخلف الخطأ المؤسسي مجرد اغبان شخصية ، بل يصنع شرخاً عميقاً في وجدان المجتمع ، و يصعب حينها رأب الفتق بالكلمات أو الوعود مما حاول هازمي القانون تبريرها .

 

في هذه القضية ، أنا لا أكتفي بالانتظار ، و سإستبق الزمن و أتحدى صانع هذا السيناريو السمج الذي حاول العبث بتفاصيل الوقائع و تزييف المشهد بما يخدم روايته الخاصة و قناعاته الجاهلة ، و لكن لن يستمر ذلك كثيراً ، لأن العدالة لا تختزل في تدبيج إتهام ، و لا تنتهي عند تصريح المواد القانونية ، بل لها ساحتها العليا في قاعات المحاكم ، حيث لا تستجيب لأمراض النفوس و لا تخضع لتقلبات الأمزجة و الأهواء … و عند الوصول إلى هذه المرحلة ، ستظهر الحقائق و ستنكشف الخسائر بحجمها الكبير من واقع العبث الذي كان محمياً بغطاء السلطة ، فهنالك خسائر معنوية ، نفسية ، ومادية ، كثيرة و كبيرة في هذه القضية ، فسؤالي الذي يفرض نفسه هنا … هل سيتم محاسبة المتسبب المباشر الذي تعنت عمداً ، وأساء استخدام سلطته ؟ ، أم ستلقى التبعات على عاتق المؤسسة التي منحته الغطاء والقرار ؟ .. حينها فقط ، سيظهر ميزان الحقيقة ، و سنرى إلى أي منقلب ينقلبون ، و الماء يكذب الغطاس .

 

و الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام