
لا استغرب كثيرا عندما يتحدث الناس عن التوظيف وطرقه، لأنهم ضحايا تجربة متوارثة، قد تكون بدأت قبل الاستقلال، وهي التوظيف في الحكومة، في وزاراتها و مؤسساتها؛ لأن الموظف في تلك الفترات كان له شأن، ويعلم أين وكيف ينفق مرتبه، فكان مميزا في كل شيء شكلا وموضوعا، يلبس البنطلون والقميص، وله منزلة مميزة، ومحترم عند الجميع حتى في وزارته أو إدارته، لم يكن التوظيف جغرافيا ولا مركزيا؛ لان الموظف كان ينقل إلى أية منطقة في السودان ولا يرفض؛ لأنه كان يعامل باحترام من الدولة، فيجد السكن المريح له ولأسرته التي تبدو علىها الراحة النفسية والجسدية، حتى أن الموظف ينقل أسرته الكبير نقلة اجتماعية تجعلهم مميزين وسط العائلة والجيران.
لذا ساتي كان حلم الوظيفة الحكومية يراود كل الآباء والأمهات، ويدعون لأبنائهم بالتعيين فيها، بل كانت هي الغاية من التعليم في كل بقاع السودان، وأصبحت الأمنية متوارثة حتى بعد أن تأكلت الخدمة المدنية، وأصبح مرتبها ضعيفا، ولا يحظى الموظف بالهيبة السابقة، لكن الحلم بالحصول عليها ما زال يحتفظ ببريقه، لذلك دخلت الخصلة الذميمة؛ وهي التعين بالواسطة والمحاباة، وزولي وزولك، والتعيين بالقلم الاخضر، وفي كل صباح يجد الموظفين مقيما جديدا بينهم، ثم يكتشفون أنه قريب فلان أو علان، وظني أن هذه المشكلة متجذر، حاول الناس تلافيها؛ بإيجاد مداخل جديدة مثل لجنة الاختيار للخدمة العامة، رغم ذلك استمر القلم الاخضر يعمل، وهناك قصة لا أعلم إن كانت واقعية أم تحكى من باب التندر أو للإشارة لمرض متجذر، وتقول القصة أنه عندما توفيت والدة المسؤول الكبير في إحدى مؤسسات الخدمة المدنية، استعد الموظفون للذهاب لأداء واجب العزاء، فمنعهم المسؤول الذي يليه من الذهاب، مستثنيا من كانت له قرابة مع المرحومة، وكانت المفاجأة أن عددا كبيرا من الموظفين انطبق عليهم الشرط، واكتشفوا أن المسؤول الأول عين هذا العدد الكبير من أقاربه بالمؤسسة.
سادتي قصة التعين بالواسطة سرطان إمتدت حلقاته، ونسأل الله أن تبتر هذه المشكلة، وذلك بتحول السودان لدولة مؤسسات، لا يكن لقرابات الدم ولا الجهة ولا القبيلة دخل فيها، وأن يتم التعيين بشروط التوظيف وبحوجة الوظيفة.
سادتي هناك أيضا مشكلة كبيرة يعاني منها السودان وبعض الدول الأخرى، وهي حساب نسبة البطالة بنسبة عدد الخريجين غير المستوعبين في الخدمة المدنية على كل المستويات الاتحادية والولائية، على الرغم من أن السودان بدأ يأخذ الخبرة من بعض الدول، واتجه للقطاع الخاص لفتح فرص لريادة الأعمال، وقدم إعفاءات كبيرة للراغبين في الاستثمار من الداخل، ووجهت البنوك بمنح التمويل الأصغر للأفراد والمجموعات، وخصصت للخريجين مميزات تشجيعية للعمل، وفتحت الطرق للقادمين الجدد للاستفادة من الخبرات، وبالطبع في هذا الاتجاه فوائد كثيرة؛ منها ايجاد فرص عمل للشباب للكسب والمساهمة في الاقتصاد الكلي للدولة، ضف إلى ذلك أنها ستمحو أو تضعف الحلم بالوظيفة الحكومية، وبذلك يكون الدخول لها عبر البوابات الرسمية، لأن القناعات ستتغير، وسيتحول رائد العمل لحلم يراود الجميع، وستنتهي المحسوبية والواسطة.
وهنا دعوني اقف قليلا عند حديث رئيس مجلس السيادة الفريق الأول ركن عبدالفتاح البرهان في فاتحة أعمال مؤتمر الخدمة المدنية ببورتسودان، وحديثه عن طريقة التعيين فى الخدمة العامة ومراجعتها على أساس الكفاءة، وبتر المحسوبية والمحاباة، لتطهيرها ممن اثغلوا كاهلها بموظفين تم تسكينهم وتمكينهم بعيدا عن الطرق السليمة، وكانت كل مؤهلاتهم أنهم من الأقارب، وهذه خطوة تحتاج لمجهود جبار وعقل جمعي، لأنها مسألة في غاية الصعوبة، ولكنها غير مستحيلة، وأحسن ما فيها إنها ستعصم الخدمة المدنية من التساهل في التوظيف خلال المرحلة القادمة، أو ترك الأمر على ما هو عليه الآن، ومعالجة القادم على نهج المثل (الجفلن خلهن أقرع الواقفات)، وان يكون التطهير لمن تثبت عليه شبهة الفساد أو العمل ضد الدولة.





