دخان أسود وقضية أسمى: أضرار حرق الإطارات تتجاوز الاحتجاجات في السودان – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

في خضم الأصوات المنددة بالقمع وانتهاكات حقوق الإنسان في السودان، تتصاعد أعمدة دخان أسود كثيف ناتجة عن حرق الإطارات. هذا الفعل، الذي يُقصد به أن يكون صرخة احتجاجية مرئية ومؤثرة، يحمل في طياته أضرارًا جسيمة تتجاوز اللحظة الراهنة وتستدعي وقفة تأمل في جدواه وتكاليفه الباهظة. فبينما يرى البعض فيه وسيلة للتعبير عن الغضب وإيصال الصوت، يؤكد الواقع أن له تداعيات بيئية وصحية واقتصادية بعيدة المدى، تجعلنا نتساءل: هل تخدم هذه الطريقة حقًا القضية الأسمى التي يسعى إليها المحتجون؟
إن الدخان المتصاعد من حرق الإطارات ليس مجرد سحابة عابرة، بل هو مزيج سام من الجزيئات الدقيقة والغازات الضارة التي تهدد صحة الإنسان والبيئة على حد سواء. يحتوي هذا الدخان على مواد كيميائية خطيرة مثل أول أكسيد الكربون، والأكاسيد النيتروجينية، والمركبات العضوية المتطايرة، بالإضافة إلى جزيئات الكربون الصلبة. استنشاق هذه المواد يؤدي إلى تفاقم أمراض الجهاز التنفسي كالربو والتهاب الشعب الهوائية، ويزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، وقد يكون له تأثيرات سلبية طويلة الأمد على النمو والتطور، خاصة لدى الأطفال وكبار السن والفئات الأكثر ضعفًا.
على الصعيد البيئي، يمثل حرق الإطارات كارثة حقيقية. فالإطارات مصنوعة من مواد غير قابلة للتحلل الحيوي، وعند حرقها، تطلق كميات هائلة من الملوثات في الهواء والتربة والمياه. الرماد الناتج عن الحريق يحمل مواد سامة تتسرب إلى التربة وتلوث المياه الجوفية، مما يؤثر على الزراعة ومصادر المياه الصالحة للشرب. كما أن الدخان الكثيف يساهم في تلوث الهواء وتكوين الضباب الدخاني، مما يؤثر سلبًا على جودة الهواء والرؤية، ويتسبب في أضرار للنظام البيئي بشكل عام.
أما على الصعيد الاقتصادي، فإن حرق الإطارات يخلف وراءه خسائر مادية فادحة. فبالإضافة إلى تكاليف تنظيف الشوارع وإزالة المخلفات السامة، هناك التكاليف الصحية الناتجة عن علاج الأمراض المرتبطة بتلوث الهواء. كما أن تكرار هذه الأعمال قد يؤدي إلى تعطيل حركة المرور والتجارة، ويؤثر سلبًا على الأنشطة الاقتصادية اليومية للمواطنين.
في السياق السوداني الراهن، حيث تتصاعد دعوات الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى حمل السلاح لمواجهة التمرد بدلًا من حرق الإطارات، يصبح التساؤل حول فعالية هذه الوسيلة الاحتجاجية أكثر إلحاحًا. فبينما يسعى المحتجون للتعبير عن رفضهم للقمع وانتهاكات حقوق الإنسان، هل يخدم تلويث البيئة والإضرار بصحة المواطنين قضيتهم؟ ألا يمكن أن يؤدي هذا الفعل إلى نتائج عكسية، حيث ينصرف التركيز عن جوهر المطالب الحقوقية إلى الآثار السلبية الناجمة عن الاحتجاج نفسه؟
إن المطالبة بالحرية والعدالة وحقوق الإنسان هي قضايا نبيلة تستحق كل تضحية وجهد. ولكن، من الضروري اختيار الوسائل التي تخدم هذه الغايات ولا تؤدي إلى ضرر أكبر على المجتمع والبيئة. هناك العديد من الطرق السلمية والحضارية للتعبير عن الاحتجاج وإيصال الصوت، والتي يمكن أن تكون أكثر فعالية وتأثيرًا على المدى الطويل.
إن حرق الإطارات يبعث برسالة قوية، لكنها محفوفة بالكثير من الأضرار التي تطال الجميع. من الأهمية بمكان أن يتوجه الغضب المشروع نحو أشكال أكثر استدامة وأقل ضررًا من الاحتجاج، التي تحافظ على سلامة المواطنين وبيئتهم، وتضمن بقاء التركيز على المطالب الأساسية بالحرية والعدالة والسلام في السودان. فالدخان الأسود الناتج عن حرق الإطارات قد يخفي وراءه قضية أسمى، لكنه في الوقت نفسه يلوث حاضرنا ويستنزف مستقبلنا.





