مقالات الرأي
أخر الأخبار

أين الشمال من خارطة الحكم ؟ – همس الحروف – ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

الإقليم الشمالي هو ذلك الإقليم الذي تعتبر حقوقه مهضومة في السودان ، و إن ذكر التهميش فيجب ألا يذكر إقليم قبله ، فهو الذي أعطى كثيراً ، في الوقت الذي فيه نال القليل ، و سكت حين ضج غيره ، و صبر حين إشتكى الجميع ، حتى أصبح صمته يُفسر رضى ، و غيابه يُحسب اكتفاء ، لكنه في الحقيقة ، هو حاضر بلا حضور ، و مشارك بلا نصيب ، و هو المظلوم الذي لم تُكتب له حتى شكاية عادلة .

 

ومع التعديلات الجوهرية التي مست الوثيقة الدستورية لعام 2025م ، نصت المادة (11) على أن يتكون مجلس السيادة من تسعة أعضاء ، أربعة منهم من المؤسسة العسكرية و هم الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان ، و الفريق أول ركن شمس الدين كباشي ، و الفريق أول ركن ياسر العطا ، والفريق أول ركن إبراهيم جابر ، وثلاثة من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام عام 2020 ، و هم السيد مالك عقار ، والسيد عبد الله يحيى ، والسيد صلاح الدين آدم رصاص ، و بذلك يتم إختيار ستة أعضاء من قِبل مجلس السيادة ، ويُمنح شركاء اتفاق السلام حق اختيار الثلاثة الآخرين .

 

صيغة تبدو في ظاهرها قائمة على التوازن ، ولكن في جوهرها يختل ميزان العدالة ، توزيع يُظهر تنوعاً على الورق ، بينما يخفي غياباً جوهرياً لصوتٍ أصيل من جغرافيا الوطن ، هو تمثيل يفيض بالترضيات ، و لكنه يفتقر إلى شمولية الإنصاف ، ويعكس خللاً لا يليق بوثيقة يفترض أنها جاءت لتصحيح المسار ، لا لإعادة إنتاج التهميش بأدوات جديدة .

 

و بهذا نجد أن قائمة مجلس السيادة قد إكتملت بطرح أسماء الدكتورة نوارة أبو محمد محمد طاهر ممثلاً للشرق ، و الدكتورة سلمى عبد الجبار المبارك ممثلاً للوسط ، و بذلك يكون السيد مالك عقار ممثلاً للمنطقتين (النيل الأزرق وجنوب و غرب كردفان) ، و السيد عبد الله يحيى ، و السيد صلاح آدم رصاص ممثلان لدارفور ، و هنا يكون إقليم دارفور نال مقعدان ، و نال الشرق مقعد ، و الوسط مقعد ، و المنطقتين مقعد ، بينما غاب عن التشكيلة تمثيل واضح للإقليم الشمالي .

 

من الخرطوم ، و نهر النيل ، و الشمالية ، إلى وادي حلفا ، هذا الامتداد الذي رفد الدولة السودانية بعقولها ، و صنع مؤسساتها كيف ظل كرسيه شاغراً في قلب معادلة بناء الوطن ، و وجد نفسه في دائرة التهميش ، خارج الحسبة ، و مجرد صدى في أروقة الصفقات السياسية .

 

وحينما تساءلنا عن هذا الغياب المتعمد ، قيل لنا من قبل الذين يرفضون معادلة الشمال : إن السيدين الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان و الفريق ركن ياسر العطا يمثلان الشمال ، و لكن بذات المنطق ، أليس الفريق ركن إبراهيم جابر يعتبر ممثلاً لدارفور ؟ ، و الفريق شمس الدين كباشي يُعد من أبناء جنوب كردفان ، أي المنطقتين ؟ ، فلماذا يتم حسبة هؤلاء على أقاليمهم حين يُراد تبرير التوازن الجهوي ، ويجردون من صفاتهم الجغرافية حين نطالب بحق الشمال ؟ ، أليس هذا تناقضاً يفتقد الحجة و المنطق ؟! .

 

إننا نؤمن بأن المؤسسة العسكرية مؤسسة قومية ، و لا ينبغي جرها إلى ساحة المحاصصات الجهوية ، فالقادة العسكريون ، من أي إقليم أتوا ، لا يمثلون سوى القوات المسلحة السودانية ، فهي رمز السيادة و حامية الوطن ، و لا يصح تحميلهم تمثيلاً سياسياً لمناطقهم الجغرافية .

 

وبناء على ذلك ، فإن الغياب الصريح للإقليم الشمالي عن مجلس السيادة ، يعد خرقاً واضحاً لمبدأ العدالة ، و يمثل تهميشاً غير مبرر لكيان أصيل في جسد الدولة ، و إننا نطالب باسم المواطنة الكاملة و التمثيل المتوازن ، إما بإعادة توزيع أحد مقاعد دارفور لصالح الشمال ، أو بتعديل النص الدستوري نفسه ليضمن عدالة التمثيل ، ويصون توازن الوطن الجغرافي و السياسي .

 

فالعدالة لا تُنجز بتبريرات مرتجلة ، ولا تُبنى على منطق الترضيات ، و تتحقق حين يشعر كل إقليم بأن صوته مسموع ، و وجوده معترف به ، و أنه شريك لا تابع ، و حاضر لا مغيب .

 

فالشمال كغيره من الأقاليم ، له قضيته و له رموزه و له الحق أن يكون حيث تُصنع القرارات ، لا على الهامش و لا في ذيل الاعتبارات .

 

و الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام