
الإقليم الشمالي هو ذلك الإقليم الذي تعتبر حقوقه مهضومة في السودان ، و إن ذكر التهميش فيجب ألا يذكر إقليم قبله ، فهو الذي أعطى كثيراً ، في الوقت الذي فيه نال القليل ، و سكت حين ضج غيره ، و صبر حين إشتكى الجميع ، حتى أصبح صمته يُفسر رضى ، و غيابه يُحسب اكتفاء ، لكنه في الحقيقة ، هو حاضر بلا حضور ، و مشارك بلا نصيب ، و هو المظلوم الذي لم تُكتب له حتى شكاية عادلة .
ومع التعديلات الجوهرية التي مست الوثيقة الدستورية لعام 2025م ، نصت المادة (11) على أن يتكون مجلس السيادة من تسعة أعضاء ، أربعة منهم من المؤسسة العسكرية و هم الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان ، و الفريق أول ركن شمس الدين كباشي ، و الفريق أول ركن ياسر العطا ، والفريق أول ركن إبراهيم جابر ، وثلاثة من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام عام 2020 ، و هم السيد مالك عقار ، والسيد عبد الله يحيى ، والسيد صلاح الدين آدم رصاص ، و بذلك يتم إختيار ستة أعضاء من قِبل مجلس السيادة ، ويُمنح شركاء اتفاق السلام حق اختيار الثلاثة الآخرين .
صيغة تبدو في ظاهرها قائمة على التوازن ، ولكن في جوهرها يختل ميزان العدالة ، توزيع يُظهر تنوعاً على الورق ، بينما يخفي غياباً جوهرياً لصوتٍ أصيل من جغرافيا الوطن ، هو تمثيل يفيض بالترضيات ، و لكنه يفتقر إلى شمولية الإنصاف ، ويعكس خللاً لا يليق بوثيقة يفترض أنها جاءت لتصحيح المسار ، لا لإعادة إنتاج التهميش بأدوات جديدة .
و بهذا نجد أن قائمة مجلس السيادة قد إكتملت بطرح أسماء الدكتورة نوارة أبو محمد محمد طاهر ممثلاً للشرق ، و الدكتورة سلمى عبد الجبار المبارك ممثلاً للوسط ، و بذلك يكون السيد مالك عقار ممثلاً للمنطقتين (النيل الأزرق وجنوب و غرب كردفان) ، و السيد عبد الله يحيى ، و السيد صلاح آدم رصاص ممثلان لدارفور ، و هنا يكون إقليم دارفور نال مقعدان ، و نال الشرق مقعد ، و الوسط مقعد ، و المنطقتين مقعد ، بينما غاب عن التشكيلة تمثيل واضح للإقليم الشمالي .
من الخرطوم ، و نهر النيل ، و الشمالية ، إلى وادي حلفا ، هذا الامتداد الذي رفد الدولة السودانية بعقولها ، و صنع مؤسساتها كيف ظل كرسيه شاغراً في قلب معادلة بناء الوطن ، و وجد نفسه في دائرة التهميش ، خارج الحسبة ، و مجرد صدى في أروقة الصفقات السياسية .
وحينما تساءلنا عن هذا الغياب المتعمد ، قيل لنا من قبل الذين يرفضون معادلة الشمال : إن السيدين الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان و الفريق ركن ياسر العطا يمثلان الشمال ، و لكن بذات المنطق ، أليس الفريق ركن إبراهيم جابر يعتبر ممثلاً لدارفور ؟ ، و الفريق شمس الدين كباشي يُعد من أبناء جنوب كردفان ، أي المنطقتين ؟ ، فلماذا يتم حسبة هؤلاء على أقاليمهم حين يُراد تبرير التوازن الجهوي ، ويجردون من صفاتهم الجغرافية حين نطالب بحق الشمال ؟ ، أليس هذا تناقضاً يفتقد الحجة و المنطق ؟! .
إننا نؤمن بأن المؤسسة العسكرية مؤسسة قومية ، و لا ينبغي جرها إلى ساحة المحاصصات الجهوية ، فالقادة العسكريون ، من أي إقليم أتوا ، لا يمثلون سوى القوات المسلحة السودانية ، فهي رمز السيادة و حامية الوطن ، و لا يصح تحميلهم تمثيلاً سياسياً لمناطقهم الجغرافية .
وبناء على ذلك ، فإن الغياب الصريح للإقليم الشمالي عن مجلس السيادة ، يعد خرقاً واضحاً لمبدأ العدالة ، و يمثل تهميشاً غير مبرر لكيان أصيل في جسد الدولة ، و إننا نطالب باسم المواطنة الكاملة و التمثيل المتوازن ، إما بإعادة توزيع أحد مقاعد دارفور لصالح الشمال ، أو بتعديل النص الدستوري نفسه ليضمن عدالة التمثيل ، ويصون توازن الوطن الجغرافي و السياسي .
فالعدالة لا تُنجز بتبريرات مرتجلة ، ولا تُبنى على منطق الترضيات ، و تتحقق حين يشعر كل إقليم بأن صوته مسموع ، و وجوده معترف به ، و أنه شريك لا تابع ، و حاضر لا مغيب .
فالشمال كغيره من الأقاليم ، له قضيته و له رموزه و له الحق أن يكون حيث تُصنع القرارات ، لا على الهامش و لا في ذيل الاعتبارات .
و الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل





