الشُّرطَةُ المُجتَمَعِيَّةُ وَمُكَافَحَةُ الفَقْرِ .. أَمْنٌ نَاعِمٌ… وَتَغْيِيرٌ مِنَ الجُذُورِ ✍️ فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد

حين يُذكر الفقر، تتبادر إلى الذهن صور الجور والتشرد والبطالة، لكن قليلٌ من ينتبه إلى أن الفقر ليس مجرد عجز مادي فحسب، بل هو أيضًا قضية أمنية بالغة الخطورة. فقد قال النبي ﷺ:
” كادَ الفقرُ أن يكونَ كفرًا” (رواه البيهقي)، والفقر ليس فقط ضعفًا اقتصاديًا، بل محرّكٌ للغضب، وبيئةٌ خصبة للجريمة، وأساسٌ للانحراف السلوكي ، ومن الأسباب الجوهرية للفقر تفشي الظلم والفساد، حيث تهدر الموارد وتنشأ المجتمعات على قواعد غير عادلة، فتتحول المدن والقرى إلى “بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ” كما قال الله تعالى : ﴿ _فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ_ ﴾[الحج: 45] فالظلم يُفسد الموارد، ويعطل الآبار التي يجب أن تكون مصدر حياة، ويبني قصورًا بلا جدوى أمام غضب الله وعقابه، فتتداعى المجتمعات وتتكسر أواصرها ، وهنا يأتي دور الشرطة المجتمعية، التي لا تكتفي بضبط النظام فقط، بل تسعى لزرع العدل والرحمة، وللعمل على معالجة الأسباب الجذرية التي تغذي الفقر والجريمة.
_الفقر: وقود الجريمة الصامت_
في كل حي مهمش، وفي أطراف المدن، يتسلل الفقر في صورة بطالة، تسرب دراسي، أو أسرة بلا معيل، ثم يتحول بصمت إلى سرقات أو انخراط في جماعات منحرفة.
__قال تعالى:_
﴿ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾[النساء: 5]_ فالمال الذي يُهدر أو يُحجب يُهدد استقرار المجتمع وأمنه من الداخل.
_الشرطة المجتمعية… أمن بحس إنساني_
الشرطة المجتمعية لا تحمل الهراوة فقط، بل تحمل الثقة والرحمة، تطرق الأبواب برفق، وتمنع الجريمة قبل وقوعها، متجسدة مبدأ النبي ﷺ:
” _ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء” (رواه_ الترمذي)
_وممارسة لقول الله تعالى:_
﴿ _وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾
[المائدة: 2]_أدوات تدخل… ترميم لا تقييد__
التواصل المباشر مع الأسر المتعففة قبل أن تصل إلى حافة الانهيار.
دعم المبادرات الصغيرة لتوفير كسب العيش بكرامة و الرصد المبكر لحالات التسرب المدرسي والانحراف ، وكذلك بناء شراكات مع التجار والمحسنين والمنظمات المدنية . من الميدان، عاشت بعض المجتمعات تحولات جذرية حين عملت الشرطة المجتمعية جنبًا إلى جنب مع الأهالي.
_الفقر لا يُطارد بل يُحتوى
الشرطة المجتمعية ليست مسؤولة مباشرة عن معالجة الفقر، بل هي الجسر الذي يربط المجتمع بالدولة ومنظمات المجتمع المدني لتضافر الجهود نحو حلول عملية مستدامة.
قال تعالى:﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ﴾ [الرعد: 17] الأمن الحقيقي لا يُبنى بالحواجز ولا بالرعب، بل بالأمل والرحمة والعدل والتكافل البناء.
_الختام: من العصى إلى العصب_
ليست الشرطة المجتمعية سلطة فوق الناس، بل قلب وسطهم، ومفتاح لفهم الأمن الحقيقي:
أمنٌ يبني حياة، لا يُجمدها، ويزرع أملًا لا رعبًا.
__اللهم نسألك العفو والعافية






تعليق واحد