حين يهان القانون الدولي .. قراءة نقدية لبيان الحزب الشيوعي السوداني حول العدوان الإسرائيلي على إيران ✍️ هشام محمود سليمان

في خضم التصعيد المتواصل بمنطقة الشرق الأوسط وما يصاحبه من تداعيات خطيرة على القانون الدولي والنظام العالمي أصدر الحزب الشيوعي السوداني بيانا حاد اللهجة أدان فيه الهجوم الإسرائيلي الأخير على الأراضي الإيرانية وقد بدا البيان في ظاهره موقفا سياسيا حقوقيا عالي النبرة يستند إلى مرجعيات القانون الدولي ومبادئ السيادة وعدم التدخل غير أن قراءة أكثر عمقا تكشف عن مفارقة مؤسفة تتعلق بازدواجية المعايير التي يمارسها الحزب ذاته بين مواقفه من قضايا الخارج وسلوكياته إزاء قضايا الداخل
ففي حين يستند البيان إلى ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ حظر استخدام القوة والالتزام بسيادة الدول ويحذر من خطورة المساس بتوازنات الشرعية الدولية نرى أن هذا الموقف الأخلاقي نفسه يتوارى حين يتعلق الأمر بالشأن الداخلي السوداني فالحزب الذي ينادي في الخارج بقيم القانون الدولي لم يتردد في الداخل عن تبني خطابٍ متشنج وفي بعض الأحيان داعم لأجندات سياسية تتعارض مع تلك المبادئ مثل تأييد الفوضى السياسية وتجاهل معايير الحياد حين يتصل الأمر بخصومه داخل الساحة الوطنية لقد أشار بيان الحزب إلى أن الهجوم على إيران يعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي ويقوض مبدأ عدم استخدام القوة ويهدد منظومة الأمن الجماعي وهذا صحيح لكنه في الوقت ذاته يغض الطرف عن حالات داخلية سافرة تمثل بدورها انتهاكا لذات المبادئ التي يستند إليها كالدعوات إلى العصيان دون احترام الشرعية الدستورية أو تبرير بعض أعمال العنف السياسي على أساس الأيديولوجيا
ومع إشارته الذكية لمخاطر الفوضى وتجاوز الحدود السيادية فإن الحزب يغفل عن كونه جزءا من حالة الانقسام السياسي التي عطلت مسار الانتقال الديمقراطي وأربكت المشهد الوطني وهو ما يعد إخلالا بمبدأ الحياد ويضعه في موضع من يناقض نفسه يدين في الخارج ما قد يسكت عنه أو يمارسه في الداخل
تطرق البيان إلى التنديد بازدواجية المعايير الدولية لا سيما ما يتعلق بامتلاك إسرائيل للسلاح النووي دون رقابة بينما تفرض القيود الصارمة على دول أخرى لكن المفارقة أن الحزب ذاته يمارس نوعا من هذه الازدواجية في خطابه السياسي فيسمي الأشياء بأسمائها في الخارج ويتردد أو يتواطأ بصمته حين تقتضي المواقف في الداخل ذات الحسم كما نبه البيان إلى خطورة الصمت الدولي و,( الحياد الزائف ) واعتبره ضربا من التواطؤ وهنا يبرز سؤال مشروع أين يقف الحزب الشيوعي السوداني من انتهاكات حقوق الإنسان في السودان حين لا يصدر منه بيان واحد يدين الجهة المعتدية بوضوح؟ بل كثيرا ما يقدم مواقف رمادية أو يساوي بين الجلاد والضحية تماما كما انتقد في بيانه الموقف الدولي تجاه العدوان على إيران
إن ما يقدّمه الحزب الشيوعي في هذا البيان لا يخلو من وجاهة قانونية في توصيف العدوان الإسرائيلي لكنه يفقد كثيرا من صدقيته حين يقرأ في ضوء مواقفه المتناقضة وسلوكه السياسي الداخلي فالدفاع عن القانون الدولي لا يجزأ ولا تنتقى منه المبادئ بحسب المصلحة أو الظرف ومن يدعي الدفاع عن العدالة في الخارج ينبغي أن يمارسها أولا في الداخل
في الختام فإن بيان الحزب الشيوعي السوداني يبدو كجرس إنذار موجه للعالم بشأن مخاطر الانفلات من ضوابط الشرعية الدولية لكنه في الوقت نفسه يوقظ فينا سؤالا داخليا أكثر خطورة من يدافع عن العدالة في السودان حين يصبح القانون نفسه ساحة للانتقاء والاصطفاف؟
فالخطر لا يكمن فقط في غلبة منطق القوة على القانون على مستوى العالم بل في تغاضي من ينادون به عن ممارسته في أوطانهم





