مقالات الرأي
أخر الأخبار

الإمارات ودعمها لقوات الدعم السريع: تمر من ذهب ودماء سودانية – التحليل السياسي من واقع منطقي – ✍️ هشام احمد المصطفي ابوهيام 

تمهيد: حين يختلط المال بالنار

 

في لحظةٍ مفصلية من تاريخ السودان، حين اشتدت الأزمات وتفجرت نيران الحرب في كل اتجاه، لم تكن الإمارات دولة عابرة في المشهد السوداني، بل لاعبًا رئيسًا تتعدد أدواره بين العلن والخفاء. ففي الوقت الذي كان السودانيون يتطلعون إلى حلول عربية تُخرج البلاد من أزماتها، كانت أبوظبي تُرسل الإشارات المعاكسة، دعمًا لقوى السلاح والاضطراب، وتغذيةً للصراعات عبر بوابات متعددة؛ كان أبرزها دعم قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وتمرير كميات هائلة من التمور المغلّفة بالذهب والبارود.

 

 

 

السودان والإمارات: من التعاون إلى التدخل

 

عُرفت العلاقات السودانية الإماراتية، تاريخيًا، بقدر من التوازن، إذ أسهم السودانيون في بناء المؤسسات التعليمية والصحية والخدمية في الإمارات منذ بدايات النهضة الحديثة. كانت الجالية السودانية رمزًا للكفاءة والانضباط، ونالت احترام المجتمع الإماراتي. لكن ما حدث في السنوات الأخيرة، وبصورة أكثر وضوحًا مع اندلاع الحرب في السودان، كشف عن تحول جوهري في دور الإمارات من شريك إلى متدخل في الشأن السوداني.

 

فقد وُجّهت اتهامات مباشرة للإمارات بدعمها لقوات الدعم السريع، سواء بالسلاح أو العتاد أو الدعم اللوجستي، وهو ما أثار استغرابًا ورفضًا شعبيًا واسعًا داخل السودان.

 

 

 

التمر.. الغطاء الإنساني للدعم العسكري

 

مع اتساع رقعة الحرب، بادرت الإمارات بإرسال شحنات من التمور كمساعدات إنسانية، خاصة إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع. لكنّ تقارير ميدانية وشهادات عيان أكدت أن هذه الشحنات لم تكن مجرد تمر، بل كانت وسيلة لتمرير الدعم العسكري واللوجستي تحت غطاء “المعونة الإنسانية”.

 

وقد أثارت صور متداولة لعلب التمور الإماراتية في مناطق القتال، وأخرى في مخازن الدعم السريع، حالة من الاستنكار الشعبي، ما دفع العديد من النشطاء إلى وصفها بـ”التمر المسموم”، أو “تمر الذهب مقابل الدم”.

 

 

 

قوات الدعم السريع: أداة إقليمية بأجندات متعددة

 

منذ صعود حميدتي كقائد فعلي لقوات الدعم السريع، سعت هذه القوة شبه العسكرية للتحول من مجرد ذراع للجيش إلى لاعب سياسي واقتصادي مستقل. وقد استغلت الإمارات هذا التحول، مستثمرة في الدعم السريع كقوة موازية للجيش السوداني، وباعتبارها أداة لتنفيذ أجندات تخدم مصالحها في السودان ومنطقة القرن الإفريقي.

 

وفقًا لتقارير إعلامية وشهادات حقوقية، قامت الإمارات بإرسال شحنات من الأسلحة والطائرات المسيّرة إلى قوات الدعم السريع عبر قواعد في دول مجاورة. وقد صرحت جهات رسمية في الجيش السوداني مرارًا بأن لديهم أدلة على أن الإمارات تشكّل “خط إمداد” للدعم السريع، بما يهدد وحدة السودان وسيادته.

 

 

 

لماذا تدعم الإمارات قوات الدعم السريع؟

 

هذا السؤال الجوهري تكاثفت حوله التحليلات، لكن أبرز الدوافع التي يمكن استخلاصها تشمل:

 

الذهب السوداني

السودان يُعد من أغنى الدول الإفريقية بالذهب، ومع سيطرة الدعم السريع على عدد من المناجم في دارفور والمناطق الحدودية، وجدت الإمارات شريكًا مفضّلًا لتوريد الذهب بطرق غير نظامية عبر مطارات خاصة أو الحدود. وقد تحدثت تقارير عن تهريب كميات ضخمة من الذهب إلى دبي دون المرور بالقنوات الرسمية.

 

توازن القوى داخل السودان

ترى أبوظبي في الجيش السوداني قوة تقليدية قد تكون حليفة لجهات دولية منافسة، لذا تدعم قوات الدعم السريع كقوة موازية تُبقي الساحة السودانية في حالة من التوازن الهش، وهو ما يضمن استمرار تأثيرها الإقليمي.

 

القرن الإفريقي والموانئ

تهدف الإمارات للسيطرة على الموانئ الحيوية في البحر الأحمر، مثل ميناء بورتسودان. وبما أن الدعم السريع أعلن رغبته في “التحالف الاقتصادي” مع أبوظبي، فإن هذا الدعم يُقرأ كصفقة تتعلق بمصالح بحرية واستراتيجية أوسع.

 

العداء المشترك للثورات الشعبية

تقف الإمارات، تاريخيًا، ضد أي مشروع تغيير شعبي حقيقي في العالم العربي، وخصوصًا إن كانت خلفه قوى ديمقراطية. ومن هنا، فهي تُفضّل دعم قوى السلاح غير النظامية، لكبح أي تحول مدني ديمقراطي في السودان.

 

 

 

منظمات دولية وحقوقيون يدقون ناقوس الخطر

 

لم يكن موقف الداخل السوداني وحده هو المعترض على الدور الإماراتي. فقد أصدرت عدد من المنظمات الدولية تقارير تشير إلى دور دولٍ في تأجيج النزاع السوداني عبر تسليح فصائل بعينها، وعلى رأسها الدعم السريع.

 

كما تناولت صحف عالمية موضوع الدعم الإماراتي للدعم السريع، مشيرة إلى وجود أدلة على أن الطائرات القادمة من قواعد إماراتية أو حليفة كانت تحمل معدات قتالية، بعضها استخدم في قصف المدنيين.

 

 

 

الرد السوداني الرسمي: بين الإنكار والتصعيد

 

رغم التحفظ الدبلوماسي، إلا أن الناطقين باسم القوات المسلحة السودانية لم يتوانوا عن توجيه اتهامات مباشرة للإمارات. وقد ذكر المتحدث باسم الجيش في أكثر من مناسبة أن هناك دولًا إقليمية تدعم الحرب في السودان، وتمنح السلاح لجهات خارجة عن القانون، في إشارة واضحة للإمارات.

 

التحركات السودانية شملت أيضًا رسائل إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة، تُشير فيها إلى أن استمرار هذا الدعم يهدد السلام الإقليمي والأمن الدولي.

 

 

 

رد الفعل الشعبي: غضب عارم ومقاطعة ناعمة

 

داخل السودان، ازداد الغضب الشعبي من الدور الإماراتي، وتحوّل إلى دعوات لمقاطعة البضائع الإماراتية، ورفض المساعدات القادمة منها، وخاصة “التمر”، الذي أصبح رمزًا لما يُسمى بالخيانة المغلفة بالسكر.

 

وقد أطلق ناشطون حملات تحت عناوين مثل:

 

تمر الإمارات مسموم

لا للتدخل الإماراتي

ذهبنا دماؤنا

 

وتحوّلت هذه العبارات إلى منابر غضب تعبّر عن شعور عام بالخذلان تجاه دولة كانت تُصوّر كداعمٍ للسودان، فإذا بها ترسل الوقود إلى آلة الحرب التي تفتك بأبناء الوطن.

 

 

 

ماذا بعد؟ السيناريوهات المستقبلية

 

تصعيد دبلوماسي سوداني

من المحتمل أن يتجه السودان إلى تصعيد رسمي أكبر ضد الإمارات، عبر تقديم شكاوى دولية، وتجميد الاتفاقات الاقتصادية معها، خاصة المتعلقة بالموانئ والمطارات.

 

انكشاف الدور الإماراتي دوليًا

مع تنامي الضغوط الدولية، قد تتعرض الإمارات لمساءلات في مجلس الأمن أو الاتحاد الأوروبي بشأن دورها في دعم أطراف في الحروب الأهلية، ليس فقط في السودان، بل في ليبيا واليمن أيضًا.

 

مراجعة الوعي الشعبي العربي

ربما يُعيد العرب، خاصة المثقفون، النظر في سردية الإمارات كدولة سلام وتنمية، ويتجهون لكشف ما وراء الصورة البراقة من صفقات تسليح وتغذية للميليشيات.

 

 

 

خاتمة: لا تمر ولا عذر لمن يقتل شعبًا شقيقًا

 

في نهاية المطاف، سيبقى سجل التاريخ مفتوحًا لتوثيق المواقف. وسيسجل السودانيون في ذاكرتهم أن دولةً، كانت يومًا تحتاج لمعلم سوداني ليبني مدرستها، وطبيب سوداني ليعالج أطفالها، قد اختارت أن ترد الجميل بالنار.

 

وستبقى صورة “التمر” القادم من الإمارات محمّلًا بالموت، رمزًا مؤلمًا لحقبة سوداء في العلاقات العربية-العربية.

وسيظل السؤال معلقًا:

 

هل يستحق دم الإنسان السوداني أن يُسال مقابل حفنة ذهب تُهرّب إلى دبي؟

 

 

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام