مقالات الرأي
أخر الأخبار

بلاغ الإبل الضائع ، الذي ماتت فيه الحقيقة عطشاً في صحراء الإجراءات – همس الحروف – ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

تخيلوا معي مشهداً لم يعد غريباً على هذه الأرض التي تنزف من جميع أطرافها ، بلاغ فُتح منذ أشهر عديدة ، حمل في طياته وقائع بالغة الخطورة ، حين أبلغ وكيل أحد مصدري الإبل عن حادثة تعد صريحة ، أفاد فيها بأن قطيعاً من الإبل كان في طريقه إليه قد تعرض لهجوم منظم أشبه ما يكون بالقرصنة ، نفذته مجموعة تستخدم سيارات بوكو وكانت مدججة بسلاح ، لا تخفى نواياه ، لم يكن الوكيل أمام مشهد مباغت فحسب ، بل أمام اعتداء مركب يهدد حركة التجارة و التصدير ، ويضرب استقرار الطرق في مقتل ، وبحكم موقعه وتجاربه السابقة ، استعان بجهة معلومة و مألوفة لديه و هي مباحث التموين ، التي تولت إجراءات الضبط والإحضار ، لتبدأ سلسلة جديدة من التدابير أسفرت عن التحفظ على مجموعة الإبل محل البلاغ ، باعتبارها أدلة جوهرية في ملف مفتوح على احتمالات كثيرة .

 

غير أن هذا البلاغ ومنذ لحظة تحريره قبل أربعة أشهر ، لم يبرح مكانه ، وظل ساكناً في أدراجه كأنما هو مرهون بإرادة الغياب ، فعجلة العدالة كما يبدو لم تتحرك إلا ببطء مريب ، بُطء كان كفيلاً بأن تذبل معه الحياة في أعين الإبل المحتجزة ، تلك التي تُركت تأكل ما يسد رمقها ، وتشرب ما يقيها الهلاك يوماً بعد يوم ، بينما الزمن ينهش من قواها ، لا فرق بين حيوات تنتظر مصيرها ، وبلاغ ينتظر أن يُنظر فيه ، كانت الحراسة قائمة ، نعم، لكن لا أحد يعلم كم بلغت كلفتها، ولا تحت أي بند تُقيد، في مشهد تتداخل فيه الأسئلة، وتضيع فيه المسؤوليات بين صمت الملفات وثقل الإجراءات .

 

أربعة أشهر مضت ، نفق فيها ما نفق ، وتهاوى ما تبقى تحت وطأة الإهمال والانتظار ، حتى جاء القرار المنتظر ، (بيع الإبل) وحجز عائدها لصالح القضية ، لكنه قرار وإن بدا في ظاهره إجراءً قانونياً ، إلا انه يفتح الباب واسعاً أمام سؤال جوهري لا يمكن أن يطوى هكذا ، هل يا ترى سيغطي ثمن هذه الإبل و هي في حال من الهزال أو النقص نفقات إعالتها طيلة هذه المدة؟ ، ألا تبدو المعادلة من أولها إلى آخرها خاسرة بكل المقاييس مالياً ، بما أُهدر من موارد ، وإنسانياً بما كابدته الكائنات الصامتة من عناء ، وأخلاقياً حين تُترك الأمانات معلقة على رفوف الإهمال ، في انتظار قرار تأخر حتى تجاوز حدود الضرورة والمنطق ؟ ، إنها خسارة مركبة ، لا يعوضها بيع ولا يبررها صمت ، فإذا كان القانون يحمي المتسبب في الدنيا ، فهل له ما يحميه يوم لا ينفع مال ولا بنون إِلا من أَتى اللَّه بقلْب سليم ؟ .

 

 

ولماذا لم يُتخذ هذا القرار في الأسبوع الأول من الضبط ، حين كانت الإبل لا تزال مكتملة العدد ، فتية الصحة ، نضرة الجسد؟ ، ألم يكن ذلك أجدى مالياً و أعقل قانونياً ؟ ، سؤال نوجهه مباشرة إلى السيد النائب العام ، بوصفه رأس هرم النيابة ، والجهة المخولة بحسم مثل هذه الإجراءات في وقتها المناسب .

 

و هنا ننتقل إلى فصل آخر لا يقل غرابة ، في البلاغ الذي تحول فيه الشاكي بقدرة قادر إلى متهم ، و ما أريد أن أُشير إليه ، تضمن البلاغ الأولي وجود أسلحة نارية تم إستخدامها أثناء التعدي ، وسيارات بوكو تمت بها عملية القرصنة ، فما مصير هذه الأدلة ؟ ، و أين السلاح ؟ ، وأين العربات في البلاغ ، هل تم حجزها خارج خارطة البلاغ أم(…. …) ، و هنالك أسئلة كثيرة نوجهها إلى السيد مدير مباحث التموين ، ليس لغياب المعلومة ، و لكن لأن الشفافية تقتضي ظهورها ، والتقاعس عن عرضها يُثير ألف علامة استفهام .

 

وما يزيد هذا المشهد وجعاً وتعقيداً هو أن ملاك الإبل الحقيقيين لم يكونوا مجهولين الهوية ، بل كانوا معلومين للجهات المختصة بأسمائهم و صفاتهم ، وعناوينهم ، وأرقام هواتفهم ، بل وكان لهم وكيل معروف تولى البلاغ نفسه منذ أن كان مبلغاً حتى صار متهماً ، و هو على تواصل مباشر معهم ، ومع ذلك لم يُبلغوا شخصياً كما تقتضي الأصول ، بل أُعلن عنهم عبر النشر ، وأي نشر هذا ؟ ، وفي أي صحيفة كانت ؟ وفي زمان باتت فيه الصحف نادرة الوصول أو عديمة الأثر ، وكأن الغاية من هذا الإجراء ليست الإبلاغ بل التعمية ، وكأن عدم حضورهم كان مرغوباً فيه بقدر ما كان متوقعاً ، وإذا قيل إن غيابهم يعود لوجودهم في مناطق خاضعة لسيطرة المليشيا ، فذلك عذر لا يرد ، إذ يبرّر فعلاً عجزهم عن الوصول ، لكنه في الوقت ذاته نعيد السؤال مقلوباً ، لماذا عجزت النيابة عن الوصول إليهم ، وهم داخل حدود الدولة ، معروفو الهوية ، ويملكون وكيلاً مباشراً ؟ ، أليس من المفترض أن يكون وجود الوكيل كافياً لضمان تمثيلهم وتبليغهم وفقاً لما تقتضيه العدالة ؟ ، الإجابة واحدة للأسف ، لم يرد أحد أن يصل إليهم ، لا هم ولا الحقيقة التي يمثلونها .

 

قضية بسيطة من حيث المبدأ ، لكنها تعكس أزمة أعمق من مضونها ، تأخير في الإجراءات ، تضارب في المسؤوليات ، وغياب المحاسبة ، كل دقيقة تأخير لم تقتل فقط الإبل ، بل قتلت معها جزءاً من الثقة في آليات العدالة ، و إذا كنا نبيع الأدلة الحية بعد أن تهزل وتموت ، ونفقد أثر السيارات و الأسلحة ، ونٌضيع الملاك في صحراء النشر المجهول ، فكيف نقيم ميزان الحق و العدل ؟ .

 

إنّ هذا النداء لا نوجهه للطعن أو التجريح ، بل هو رجاء في أن تعود العدالة إلى سرعتها حتى لا يحدث تأخير ، وإلى محراها الصحيح حتى لا يقع الظلم ، و إلى احترام أولوياتها ، لأن الحياة كما القانون لا تنتظر أحداً .

 

و الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام