لماذا يُعدّ بناء فرق العمل أولوية استراتيجية لحكومة الأمل؟ ✍️ فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد

في عالم لا ترحم فيه المنافسة ولا تعترف بالفردية، ولم يعد العمل الجماعي خيارًا ثانويًا، بل أصبح شرطًا لازمًا للنجاح والنجاة، لا سيما في السياقات الحكومية التي تواجه تحديات كبرى، ومن هذا المنطلق، فإن تعلم فنون بناء فرق العمل يُعدّ فرضَ عينٍ على حكومة الأمل، إن أرادت أن تتحول من الأقوال إلى الأفعال، ومن التمنيات إلى الإنجاز.
_من الموهبة إلى المنظومة_
لا يكفي أن نمتلك أفرادًا موهوبين أو ذوي نوايا طيبة، فالعبرة ليست بما لدى الأشخاص، بل بكيفية تجميعهم في منظومة منسجمة تعمل بعقل الفريق، لا ببطولات فردية. نرى هذا جليًا في كرة القدم مثلًا؛ فاللاعب الذي يصرّ على الفردية يُفشل الفريق، مهما بلغت مهارته، بينما الانسجام، التفاهم، والتدريب الذكي المستمر هو مفتاح الفوز الحقيقي، كر القدم لعبة جماعية وكلما تمكن الفرق مهارات الجماعية كاسلوب وتكتيك استطاع إحراز نتائج ممتازة.
فما بالك إذا انتقلنا من ملعب الرياضة إلى ساحات الشعائر التعبدية والمشاريع الاقتصادية، والإصلاح الاجتماعي، والسياسات العامة؟ كلما كبر حجم المهمة، تعاظمت الحاجة إلى فِرق عمل متجانسة، واضحة الأدوار، تتقن التواصل وتحترم التخصصات.
_التعاون في الإسلام: أصلٌ لا فرع
_ العقل الإسلامي لا ينفكّ عن فكرة التعاون والعمل الجماعي. حتى الشعائر التعبدية الكبرى بُنيت على الروح الجماعية:
الصلاة جماعة.
الصيام في شهر واحد.
الزكاة تؤخذ وتُصرف من خلال نظام.
الحج ملتقى أممي، لا فريضة فردية منعزلة.
الاعياد الأضحية مناسبة جماعية، لا فردية.
وفي الحديث الشريف: :{ _المؤمنُ للمؤمنِ كالبنيانِ يشدُّ بعضُه بعضاً}_
*وفي القرآن الكريم:{ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}
(المائدة: 2)*
فلا نهوض ولا أمل إلا بروح جماعية، تُحسن الاستماع، وتُجيد التنظيم، وتضع مصلحة الوطن فوق نزعات الأنا والظهور الشخصي.
*من الفرد الملهم إلى عقل الجماعة*
لقد انتهى زمن “القائد الملهم” الذي بيده وحده مفاتيح النصر والهزيمة، وصعد عهد الشراكة والعقول الجماعية. في ديننا، الوحدانية لله وحده، أما البشر فخلقوا ليكونوا عونًا لبعضهم، لا أن يتفرّد أحدهم بالقرار والمصير.
الشورى ليست فقط قيمة سياسية، بل هي اعتراف ضمني بعجز الفرد مهما بلغ، واعتراف بأن الإنجاز الحقيقي لا يتم إلا عبر الآخرين. فحتى خير البشر، محمد ﷺ، خُوطب بقوله:{ _وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} . (آل عمران: 159)_
وما ذلك إلا تثبيت لمبدأ أن النجاح لا يُصنع بالرأي الفردي بل بعقل الجماعة.
*حتى من لا يفقهون… شاركهم ذُو القرنين في البناء*
في مشهد من أعظم مشاهد سورة الكهف، يلتقي ذو القرنين بقوم وُصفوا بأنهم:
_قال تعالى :{لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا}_
(الكهف: 93)
أي أنهم ضعاف الفهم، محدودو الإدراك، وربما لا يجيدون حتى لغة التواصل. ورغم هذا الضعف، لم يُقصِهم ذو القرنين، ولم يحتقر حاجتهم، بل استمع إليهم، ولبّى نداءهم، وأشركهم في مشروع عظيم.
حين طلبوا منه بناء سدٍّ يحجز عنهم خطر يأجوج ومأجوج، لم يفرض عليهم الإحسان من طرفٍ واحد، بل قال قولته التي ستبقى درسًا في فن القيادة والتشارك: _قال تعالى:{فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَل بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا}
(الكهف: 95) .
لقد أرادهم شركاء لا متفرجين، أراد أن يُخرج طاقتهم الكامنة، لا أن يعزز عجزهم الظاهري.
*الرسالة الأعمق:*
_أن التمكين الحقيقي لا يُبنى على الإقصاء، بل على الإشراك._
وأن أصحاب الاحتياجات أو المحدودية ليسوا عالة، بل يمكن أن يكونوا جزءًا من الحل.
وأن القيادة الرشيدة تُبصر إمكانات الناس، لا عيوبهم فقط، عليها تدريب وتأهيل الموظفين في كافة مؤسسات الدولة على مفاهيم العمل تكوين فرق العمل لكي يعملوا في منظومة موحدة مموسقة متناقمة تيم ويرك {team Wark}.
في هذه القصة، يسقط منطق النخبوية، وتعلو راية الشراكة، فحتى أولئك “الذين لا يكادون يفقهون قولًا”، ساهموا في بناء أعظم جدار دفاعي في التاريخ، حين وجدوا قائدًا يملك عقلًا راشدًا، ونفسًا عادلة، لا يحتكر العمل ولا يحتقر البسطاء.
*خلاصة القول:*
إن بناء فرق العمل لا يجب أن يُنظر إليه كخطة إدارية، بل كفلسفة حكم، وثقافة نهضة، وعقيدة إيمانية.
وإن حكومة الأمل، إن أرادت أن تكون اسمًا على مسمى، فعليها أن تؤمن بأن الإنسان عاجز بمفرده، قويّ بجماعته، وأن التاريخ لا يذكر من عملوا وحدهم، بل من أسسوا فرقًا أحدثت فرقًا.





