﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾… لماذا تفشل الشراكات في السودان؟ ✍️ فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد

في بلد مثخن بالتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مثل السودان، تبدو الشراكات — بكافة أشكالها — أداة إنقاذ ورافعة تنموية، بل مشروع أمل مشترك في ظل محدودية الموارد وتزايد الحاجات.
ومع ذلك، ما إن تبدأ الشراكة حتى تتكشف ملامح الاختلال، ويتراجع الحماس، ثم تنفجر الخلافات، ويؤول الأمر إلى فشل ذريع… والضحية غالبًا: الثقة والمصلحة العامة.
لكن لماذا؟
لماذا تفشل الشراكات في السودان، رغم الحاجة الماسة إليها؟
ولماذا يتحول “الخلطاء” إلى خصوم، ويتحول الحلم الجماعي إلى ساحة نزاع؟
حين يغيب ميزان العدل وتضعف الضوابط
السواد الأعظم من الشراكات — سواء بين أفراد، أو مؤسسات، أو بين الدولة والقطاع الخاص — تفتقر إلى: عقود واضحة المعالم،
توزيع منصف للمسؤوليات،
آليات مرنة وعادلة لفض النزاعات.
في كثير من الأحيان، تُبنى هذه الشراكات على “الثقة الشخصية” أو “الانتماء السياسي”، لا على قواعد قانونية مؤسسية.
فإذا اختلفت المصالح أو تبدلت الظروف، انفرط العقد وكأن شيئًا لم يكن ، وفي هذا السياق، جاءت الآية الكريمة لتلخص بجمال بياني ودقة تشريعية أزمة الشراكة إذا اختل العدل وفسدت النية: قال تعالى :﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ۖ وَقَلِيلٌۭ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾
(سورة ص: 24) ، هذه الآية تكشف بحكمة إلهية عجيبة عن جوهر الإشكال: الظلم في طلب التوسع على حساب الآخر، والواقع أن كثيرًا من الشركاء لا يلتزمون بالعدالة في الموازنة بين الحقوق والواجبات، بل “يبغي بعضهم على بعض”، إلا من عصمه الله بالإيمان والعمل الصالح، وهم “قليل ما هم”.
حديث شريف يؤصل المعنى
قال رسول الله ﷺ:
“يقول الله: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما”
(رواه أبو داود، وصححه الألباني)
إنها رسالة واضحة: الشراكة الناجحة ليست فقط بالعقود، بل بحضور الله في الضمير.
فإذا غاب الحياء من الله، حضرت الخيانة، وغابت البركة.
كما قال أحدهم : وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً… على المرء من وقع الحسام المهند ، كم من شراكة بدأت بصفاء النية، وانتهت بجفاء القلب، لأن الظلم جاء من “الشريك القريب”، لا من غريب.
ويقال:
“المال شراكة، فإذا فسد الضمير صارت الشراكة مؤامرة!”
فليست المشكلة في قلة رأس المال، بل في قلة رأس الأخلاق والضمير.
توصيات لإصلاح واقع الشراكات
1. ترسيخ ثقافة التعاقد والحوكمة، وتوثيق الاتفاقات بعقل وعدل.
2. تعزيز التربية الإيمانية والرقابة الذاتية في ثقافة العمل المشترك.
3. فصل السياسة عن الاقتصاد، ومنع التمكين الفئوي داخل الشراكات.
4. وضع آليات قانونية سريعة وشفافة لحل النزاعات التجارية والمجتمعية.
5. بناء الثقة عبر الشفافية والمحاسبة، لا المجاملة والتسيب.
خاتمة :
قصة “النعجة” ليست حكاية رمزية عابرة، بل نص رباني دقيق يجسد ما يجري اليوم في المشاريع التجارية، والمؤسسات، والمنظمات، وحتى التحالفات السياسية.
فمن أراد لشراكته البقاء، فعليه أن يُنصت للآية، ويُراجع الضمير، ويكون من القلة الذين {آمنوا وعملوا الصالحات}
فبهم تُبنى الأوطان، لا بالنيات الحسنة وحدها.





