الشرطة المجتمعية… رؤية إصلاحية شاملة تخشي الخطأ!! ✍️ فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد

في عالمٍ تتزايد فيه التحديات الأمنية والاجتماعية والبيئية، لم تعد أجهزة الشرطة قادرة على تحقيق الاستقرار بالاكتفاء بالوسائل التقليدية القائمة على القوّة والردع. المجتمعات الحديثة تطالب اليوم بأمنٍ إنسانيّ، تشاركيّ، قائم على الشراكة لا على السيطرة. من هنا تنبع الشرطة المجتمعية، لا كإدارة تُضاف إلى الهيكل، بل كرؤية فلسفية تُعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة. عالم اليوم لا تنقصه إمكانيات مهما كانت، بقدر ما ينقصه قيّم، وأخلاق، وإيثار. هذا المقال يكتسب أهمية لترسيخ مفاهيم غائبة عن كثير من الضباط والمواطنين.
*ليست إدارة… بل فلسفة إصلاح شاملة*
من الأخطاء الشائعة أن يُختزل مفهوم الشرطة المجتمعية في “إدارة عامة” أو “قسم متخصص”. فهي ليست قائمة تنظيمية ضمن الهيكل، بل تحوّل مفاهيمي وهيكلي يمسّ كل إدارات الشرطة الخدمية والأمنية، ويفرض على رجل الشرطة أن يتحوّل من {رجل ضبط} إلى {رجل تواصل وخدمة}.
فالمجتمع لا يريد فقط شرطياً يطبق القانون، بل يطلب شرطياً يفهم، يحاور، ويراعي السياقات الثقافية والاجتماعية، ويكون قريبًا من الناس لا فوقهم.
قال تعالى:{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}
(سورة البقرة، الآية 83)
_مفهوم العبودية في الإسلام: الأساس الروحي لسلوك الشرطي_
*قال تعالى:
{قُلْ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
(سورة الأنعام، الآية 162)*
هذه الآية الكريمة تحتم علينا أن تكون أفعالنا واقوالنا لله عز وجل ، حتى وإن كانت مهنية وإجرائية، يجب أن تكون خالصة لله تعالى، ذات بُعد روحي وأخلاقي، ومع الأسف، فإن الشرطة في أداء أعمالها أفرغت كثيرًا من مضمونها الإيماني، حيث تبنّت المفهوم الغربي في أداء وظائفها ، والذي يركز على فرض السيطرة والتنفيذ فقط دون استحضار القيم الروحية والسلوكية التي يؤكدها الإسلام يكون بذلك اخفق اخفاقاً كبيراً.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
“العبادة هي كل فعل أو قول ظاهر أو باطن يحبه الله ويرضاه”.
وهذا يعني أن عمل الشرطي يجب أن يكون عبادة تصدر عن نية صادقة لله تعالى، يتقي فيها العدل، ويراعي الرحمة والإنسانية، ويضع في مقدمة اهتماماته رضا الله لا رضا البشر فقط أو المؤسسات. إذا أدرك الشرطي هذا المفهوم، يتحول عمله من مجرد وظيفة إلى رسالة إصلاحية، تسهم في بناء مجتمع قائم على القيم، والأمن الحقيقي، والثقة المتبادلة.
*الإدارات الخدمية… واجهة الشرطة المجتمعية في الميدان*
إذا كانت الشرطة المجتمعية رؤية شاملة تتجاوز البُنى التنظيمية، فإن الإدارات الخدمية المتخصصة هي الواجهة اليومية الحقيقية لهذه الرؤية في الميدان.
*المرور، السجل المدني، الجوازات، الدفاع المدني،* وحماية الحياة البرية،وغيرها من الادارات ليست مجرد إدارات تنفيذية، بل قنوات تفاعل مباشر بين الدولة والمجتمع، أي خلل في سلوكها أو ضعف في أدائها ينعكس فورًا على صورة الشرطة المجتمعية في وعي الناس،
في هذا الإطار، ينبغي أن تتعامل هذه الإدارات مع مهامها بمنظورٍ جديد:
= *شرطة المرور* مطالبة بنداءات ورسائل تثقيفية وتربوية وارشادية عبر وسائل الإعلام يُغيّر سلوك الطريق لا يكتفي بتحرير المخالفات أو التركيز على نصب الكمائن المرورية.
= *إدارة الجوازات والسجل المدني* عليها أن تعكس كرامة الدولة ورقيها من خلال تبسيط وتسهيل الإجراءات، واحترام المواطنين والمقيمين.
= الدفاع المدني يجب أن يتحوّل إلى شريك في الوقاية المجتمعية، يبدأ بالتدريب المنزلي والأسواق على أهمية توفير طفايات الحريق وكيفية استخدامها قبل التعامل مع الكوارث.
= شرطة الحياة البرية تقع على عاتقها حماية البيئة كمورد وطني وسياحي، بالشراكة مع السكان المحليين والجهات البيئية.
هذه الإدارات، مجتمعة، تمثّل قلب الشرطة المجتمعية النابض، وهي التي تترجم النظريات إلى واقع، والقيم إلى سلوك، وإذا أدّت واجبها بروح الخدمة والتواصل، فإنها تسهم في بناء الثقة وتوسيع دائرة الأمن الإيجابي.
*تصرف غير مسؤول… قد ينسف الثقة كلّها*
إن هذا المشروع الكبير، بكل ما يحمله من طموحات، قابل للانهيار في لحظة واحدة… إن أخطأ شرطيٌ واحد.
ليس المهم حجم الخطأ، بل هُويَّة من ارتكب، فرجل الشرطة هو الصورة اليومية للمؤسسة الأمنية، فإن كان فظًا أو متعاليًا، رأى الناس في سلوكه فشلاً للفكرة كلّها.
والمؤسف أن المواطن لا يُفرّق بين الفرد والمؤسسة، فهو يرى الشرطي = الدولة. فإذا أهان الشرطي مواطنًا، فإن المواطن سيتعامل مع الجهاز الأمني كخصمٍ لا كحامٍ، وسينهار رصيد الثقة، ويصعب ترميمه.
ولهذا نقول بثقة:
[شرطيٌ واحد قد ينسف فكرة الشرطة المجتمعية بأكملها بتصرف عبثي]قال النبي ﷺ:
“كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ”
(رواه البخاري ومسلم)
*ثورة تدريبية تبدأ من الكلية* *ومراكز ومعاهد التدريب *
حتى تصبح الشرطة المجتمعية واقعاً ملموساً ، لا بد من ثورة تدريبية شاملة تبدأ من كليَّة الشرطة ومراكز التدريب ومعاهد التدريب ولا تنتهي في الميدان:
1. تضمين مفاهيم الشرطة المجتمعية كمناهج أساسية في التعليم الأكاديمي.
2. إعادة تصميم برامج التدريب في المعاهد والمراكز لتشمل مهارات الاتصال، التفاوض، حل النزاعات، وحماية الفئات الضعيفة.
3. مراجعة التدريب الميداني ليصبح مساحة للتطبيق العملي لمبادئ الشراكة المجتمعية، لا مجرد تنفيذ المضبوطات
*في الختام*
الشرطة المجتمعية ليست مشروع وزارة فقط، بل مشروع مجتمع بأكمله.
هي رؤية للإصلاح، ومنظور جديد للأمن، يعتمد على بناء الثقة، بدل فرض السيطرة، وعلى التواصل بدل التعالي، وعلى الخدمة بدل التسلط.
الموظف الذي يمارس صلاحياته المهنية دون احترام للعملاء، معتبراً أن الخدمة مجرد وظيفة مفوّض بها، يكون قد أخطأ الفهم وأساء للدولة.
الخدمة التي تُقدّم دون احترام وتقدير للمواطن هي إذلال له، تعني فقدان ثقته في مؤسسات الدولة، فالدولة مسؤولة عن غرس القيم واختيار الموظف الأمين من ذوي الأخلاق.
_قال الإمام الغزالي رحمه الله:
“الأمن مصلحة عظيمة تُهيمن على سائر المصالح، فإن قام، قامت به جميع المصالح.”_
إذا نجحنا في تطبيق هذا المفهوم بشمولية ، سيكون لدينا أمنٌ مستدام، واحترامٌ متبادل، ومجتمعٌ متماسك…
وإن أخطأنا، فحتى شعار {الشرطة في خدمة الشعب} يتحوّل إلى لافتة مهجورة لا تصمد أمام تصرّفٍ طائش من رجل ميدان لم يتلقّ التدريب الكافي.
_قال تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}(سورة المائدة، :الآية 2)_ هذه الآية ذات مفهوم و ركيزة أساسية في أعمال الشرطة المجتمعية.





