الإمارات: دولة تصدير الفتن وإشعال النزاعات في العالم العربي – الكلام الدغري – ✍️ هشام احمد المصطفي ابوهيام

مقدمة
في زمن تتسارع فيه الأزمات وتعصف بدول المنطقة، اختارت بعض الأنظمة أن تتوارى خلف واجهة “السلام” الزائفة، بينما تمارس أدوارًا خفية في إذكاء نيران الحروب والصراعات. وتأتي دولة الإمارات العربية المتحدة في مقدمة هذه الأنظمة، ليس فقط بدعمها العلني للانقلابات والتحالفات المشبوهة، بل أيضًا بتورطها في دعم واسع للميليشيات المسلحة، وتدخلاتها السرية والعلنية التي ساهمت في تمزيق أوصال دول عربية وتشريد شعوبها.
إن ما تفعله الإمارات اليوم لا يدخل في إطار الدفاع عن استقرار المنطقة كما تزعم، بل يمثل مشروعًا واضحًا للهيمنة والنفوذ، قائمًا على تفكيك الدول من الداخل، وتغذية النزاعات التي تخدم مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية.
—
: ليبيا – السلاح الإماراتي في قلب الصراع
منذ اندلاع الثورة الليبية عام 2011، تحوّلت ليبيا إلى ساحة لصراعات إقليمية ودولية، كانت الإمارات أحد أبرز اللاعبين فيها. فقد دعمت أبوظبي اللواء المتقاعد خليفة حفتر في حربه ضد حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا.
ولم يقتصر هذا الدعم على الجانب السياسي أو الإعلامي، بل شمل:
تزويد قوات حفتر بطائرات بدون طيار من طراز Wing Loong صينية الصنع.
إرسال أسلحة ثقيلة في انتهاك واضح لحظر التسليح الذي فرضه مجلس الأمن الدولي.
تمويل ميليشيات ومرتزقة من السودان وتشاد.
إنشاء قاعدة جوية شرق ليبيا واستخدامها لإطلاق طائرات مسيّرة استهدفت المدنيين في طرابلس.
وقد وثّقت تقارير أممية مستقلة هذه الانتهاكات، مؤكدة أن الدعم الإماراتي ساهم في إطالة أمد النزاع، وإفشال مساعي التسوية السياسية.
—
: اليمن – مشروع التفكيك تحت عباءة “التحالف”
دخلت الإمارات حرب اليمن ضمن ما سُمّي بـ”التحالف العربي” عام 2015، تحت شعار استعادة الشرعية، لكنها سرعان ما انحرفت عن هذا الهدف، لتتبنى أجندة خاصة تقوم على تفتيت اليمن، وتمكين جماعات انفصالية مسلّحة.
فقد أسّست أبوظبي وموّلت تشكيلات عسكرية خارجة عن سلطة الدولة، مثل:
قوات الحزام الأمني في عدن والمناطق الجنوبية.
قوات النخبة الشبوانية والحضرمية.
المجلس الانتقالي الجنوبي الداعي للانفصال.
استغلت الإمارات حالة الحرب لبسط سيطرتها على الموانئ اليمنية المهمة مثل عدن، والمخا، وسقطرى. كما كشفت منظمات حقوقية عن إدارتها لسجون سرية، مورست فيها الانتهاكات الجسيمة، من تعذيب وإخفاء قسري.
وهكذا تحولت الحرب إلى وسيلة لبناء نفوذ طويل الأمد، بعيدًا عن الهدف المعلن. فبدلًا من دعم الدولة اليمنية، سعت الإمارات إلى خلق دولة داخل الدولة.
—
السودان – دعم الفوضى مقابل الذهب والهيمنة
بعد سقوط نظام عمر البشير، سارعت الإمارات إلى دعم المجلس العسكري الانتقالي في السودان، ونسجت علاقات قوية مع قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، التي تحوّلت تدريجيًا إلى جيش موازٍ خارج سيطرة الدولة.
وقد تجلّى الدور الإماراتي في السودان من خلال:
تقديم دعم مالي وعسكري لقوات الدعم السريع.
تسهيل تهريب الذهب السوداني إلى دبي، عبر شركات غامضة تعمل خارج الرقابة الرسمية.
تمويل حركات مسلحة من الهامش السوداني لإبقاء الوضع الأمني مضطربًا.
التدخل غير المباشر في العملية السياسية لمنع الانتقال الديمقراطي.
كل ذلك جعل من الإمارات لاعبًا رئيسيًا في مشهد الفوضى السودانية، تسعى إلى السيطرة على الموارد، وشراء الولاءات، مقابل إضعاف الدولة الوطنية ومؤسساتها.
—
مصر وتونس – تمويل الانقلابات وكبح الديمقراطيات
لعبت الإمارات دورًا مركزيًا في الثورة المضادة في مصر، حيث دعمت انقلاب عبد الفتاح السيسي على أول رئيس منتخب ديمقراطيًا، محمد مرسي، في عام 2013. وقدّمت مساعدات مالية بمليارات الدولارات للنظام الجديد، في مقابل ضمان الولاء وطمس ملامح ثورة يناير.
وفي تونس، دعمت الإمارات قوى مناهضة لحزب النهضة، وموّلت حملات إعلامية لتشويه الثورة التونسية. كما دعمت بشكل غير مباشر الانقلاب الدستوري الذي نفذه الرئيس قيس سعيد، مما أدى إلى تجميد البرلمان وتعطيل مؤسسات الدولة.
تؤمن الإمارات بأن نجاح أي تجربة ديمقراطية عربية قد يشكّل خطرًا وجوديًا على نظامها الوراثي المغلق، لذلك تستميت في إجهاض أي مسار ديمقراطي قد ينجح في الإقليم.
—
الأذرع الإعلامية – ماكينة لتزييف الوعي
لم تكتف الإمارات بالتدخل العسكري والسياسي، بل أنشأت أذرعًا إعلامية ضخمة، تُستخدم لتوجيه الرأي العام وتزييف الوعي، من خلال:
قناة سكاي نيوز عربية.
قناة الغد.
منصات رقمية تموّلها عبر أطراف ثالثة.
تُستخدم هذه الوسائل لتلميع التدخلات الإماراتية، وتشويه خصومها، وتبرير دعم الأنظمة الاستبدادية. كما تدير جيشًا إلكترونيًا من الحسابات الوهمية (الذباب الإلكتروني) لمهاجمة النشطاء العرب وتشويه الثورات وربطها زورًا بالإرهاب.
—
لماذا تفعل الإمارات كل هذا؟
لا تنبع هذه السياسات من فراغ، بل تُعد جزءًا من رؤية إماراتية تسعى إلى فرض النفوذ عبر بوابة الفوضى. ويمكن تلخيص دوافعها فيما يلي:
كبح أي تجربة ديمقراطية قد تشكّل نموذجًا بديلًا لأنظمتها الوراثية.
. السيطرة على موانئ استراتيجية في البحر الأحمر والمحيط الهندي.
تعزيز مكانتها كقوة إقليمية بديلة في ظل تراجع الدور المصري والسوري.
. نهب الموارد الطبيعية للدول المنهكة مقابل دعم فصائل محلية.
. تصفية خصومها الأيديولوجيين والإسلاميين في الخارج بدلًا من مواجهتهم في الداخل.
—
الإمارات ودعم الميليشيات – تحالفات مشبوهة لتفكيك الدول
أخطر ما تمارسه الإمارات هو دعمها الممنهج للميليشيات المسلحة، في أكثر من بلد عربي، سواء عبر الدعم المالي أو العسكري أو اللوجستي.
. في اليمن
دعمت الإمارات فصائل انفصالية مسلّحة تشكّل تهديدًا لوحدة اليمن، وعملت على إضعاف الحكومة الشرعية لصالح أجندتها الخاصة.
. في ليبيا
موّلت الإمارات ميليشيات حفتر، وسهّلت وصول المرتزقة الأجانب، وزوّدته بأسلحة وطائرات مسيّرة، في انتهاك صارخ لحظر التسليح.
في السودان
دعمت قوات الدعم السريع ماليًا، وسهلت تصدير الذهب السوداني لحسابها، ووفرت لقادتها غطاءً سياسيًا وإعلاميًا في الخارج.
. في أماكن أخرى
استقدمت شركات أمنية خاصة مثل “بلاك شيلد” لتجنيد شبان عرب في مهام قتالية غامضة.
استخدمت خطوط طيران خاصة لنقل المرتزقة.
موّلت جماعات إعلامية لتبرير هذه التدخلات وتحسين صورتها أمام العالم.
هذه السياسات ساهمت في خلق بيئة حاضنة للحرب الأهلية والفوضى، وقوّضت إمكانيات بناء الدولة الوطنية في أكثر من بلد.
—
خاتمة: إمبراطورية صغيرة تُشعل العالم العربي
ما تقوم به الإمارات لا يمكن تبريره بمنطق الواقعية السياسية أو السعي لحماية الأمن القومي. فهو مشروع واضح المعالم، يسعى للسيطرة والنفوذ على حساب استقرار الشعوب ومستقبلها.
لقد تحولت الإمارات إلى مصدر دائم للتدخل والتخريب في شؤون الدول العربية، من خلال أدوات ناعمة حينًا، وخشنة حينًا آخر. وما لم تُواجه هذه السياسات من الشعوب والنخب الواعية، فسيظل العالم العربي رهينة لأجندة دولية لا تعبأ إلا بمصالحها.
فلا سلام يُبنى على أنقاض الدول، ولا استقرار ينشأ من رحم الميليشيات.





