مقالات الرأي
أخر الأخبار

ربط مناطق الإنتاج بالطرق القومية: شرايين التنمية لسودان مزدهر – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

لقد عشتُ وعملتُ لسنوات طويلة في قلب المناطق الزراعية بالمملكة العربية السعودية، وتحديداً في القصيم وحائل. هناك، كنتُ شاهدًا يوميًا على شبكة الطرق الزراعية المعبدة التي تتصل بسلاسة بالطرق الرئيسية والقومية. مشهد الشاحنات الضخمة وهي تنقل المحاصيل الزراعية كان دائمًا يذكرني بأهمية البنية التحتية في دفع عجلة التنمية الاقتصادية. هذا المشهد يتردد صداه الآن بقوة وأنا أتابع قرار رئيس الوزراء السوداني د. كامل إدريس، بربط مناطق الإنتاج بالطرق القومية لتيسير حركة التجارة في جميع ولايات السودان. إنه قرار يُبشر بمستقبل واعد للسودان، ويحمل في طياته دروسًا مستفادة من تجارب دول أخرى أدركت مبكرًا أهمية هذا الربط الحيوي.

إن قرار رئيس الوزراء السوداني يُمثل نقطة تحول حقيقية في مسيرة التنمية بالبلاد. فالطريق ليست مجرد مسارات لعبور المركبات، بل هي شرايين اقتصادية تضخ الحياة في الأقاليم، وتُسهل حركة التجارة، وتُقلل تكاليف النقل، وتُعزز من قدرة المنتجين على الوصول إلى الأسواق المحلية والدولية. ففي السودان، حيث تتنوع مناطق الإنتاج الزراعي والصناعي، وحيث يمتلك المنتج السياحي إمكانات هائلة، يصبح ربط هذه المناطق بشبكة طرق قومية متطورة ضرورة لا غنى عنها لتحقيق التنمية المستدامة والشاملة.

دعونا نتخيل الأثر العميق لهذا القرار على القطاعات المختلفة. بالنسبة للقطاع الزراعي، والذي يُعد عصب الاقتصاد السوداني، سيُمكن هذا الربط المزارعين من نقل محاصيلهم الطازجة إلى الأسواق في وقت قياسي وبأقل قدر من الهدر. هذا يعني أسعارًا أفضل للمزارعين، وتوافرًا أكبر للمنتجات الغذائية في المدن، وتقليلًا للخسائر الناتجة عن تلف المحاصيل. وكمثال حي، رأيتُ في السعودية كيف تُسهم الطرق الممهدة في وصول المنتجات الزراعية من مزارع القصيم وحائل إلى الأسواق الكبرى في الرياض وجدة في غضون ساعات قليلة، مما يُحافظ على جودتها ويُعزز قدرتها التنافسية والتصدير.

أما على الصعيد الصناعي، فإن سهولة نقل المواد الخام إلى المصانع والمنتجات النهائية إلى الأسواق ستُسهم في خفض التكاليف التشغيلية، وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات السودانية. كما سيُشجع ذلك على جذب المزيد من الاستثمارات في القطاع الصناعي، وانتشار مصانعنا في ولايات السودان المختلفة، وخلق فرص عمل جديدة، وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني. فالمستثمر يبحث دائمًا عن البنية التحتية التي تُمكنه من تسيير أعماله بكفاءة وفعالية.

ولا يقتصر الأثر الإيجابي على الزراعة والصناعة فقط، بل يمتد ليشمل المنتج السياحي. فالسودان يزخر بالمواقع الأثرية والطبيعية الخلابة، والتي تُعد كنوزًا سياحية غير مستغلة بالشكل الأمثل. إن ربط هذه المواقع بشبكة طرق متطورة سيسهل وصول السياح إليها، ويُعزز من تجربة الزوار، ويُشجع على الاستثمار في البنية التحتية السياحية مثل الفنادق والمنتجعات. وهذا بدوره سيُسهم في تنويع مصادر الدخل القومي، وخلق فرص عمل في قطاع السياحة والخدمات المرتبطة به.

لكن تنفيذ هذا القرار الطموح يتطلب جهدًا كبيرًا وتخطيطًا دقيقًا. يجب على الجهات المعنية أن تعمل على وضع آليات واضحة للتنفيذ، وتوفير التمويل اللازم، وضمان جودة البناء والصيانة للطرق. كما يجب أن يُراعى في التخطيط الشفافية والمساءلة، لضمان تحقيق أقصى استفادة من هذه المشاريع الحيوية. ولعل الاستفادة من الخبرات الدولية في هذا المجال، كما رأيتُها في المملكة العربية السعودية، يمكن أن تُسرع من وتيرة الإنجاز وتُحسن من جودة التنفيذ.

إن ربط مناطق الإنتاج بالطرق القومية ليس مجرد مشروع لشق طرق، بل هو استثمار في مستقبل السودان. إنه يُعزز من التكامل الاقتصادي بين الولايات، ويُقلل من الفجوة التنموية بين المناطق الحضرية والريفية، ويُمكن المواطنين من الوصول إلى الخدمات الأساسية بسهولة أكبر. وهو خطوة جريئة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتعزيز الصادرات، ودمج السودان بشكل أكبر في الاقتصاد العالمي.

أتطلع بشغف لرؤية هذه الرؤية تتحقق على أرض الواقع في السودان. فالطرق المعبدة هي مفتاح الرخاء، وبناء هذه الشرايين الاقتصادية سيفتح آفاقًا جديدة للتنمية، ويُسهم في بناء سودان مزدهر ومستقبل أفضل لجميع أبنائه. فهل نحن مستعدون لقطف ثمار هذا القرار التاريخي؟

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام