مقالات الرأي
أخر الأخبار

خليفة حفتر والتلاعب بالنار: من ليبيا إلى السودان – الكلام الدغري – ✍️ هشام احمد المصطفي ابوهيام 

في قلب المشهد الليبي المضطرب، يبرز اسم المشير خليفة حفتر بوصفه أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل، إذ تتقاطع عنده الطموحات العسكرية بالمصالح الإقليمية والدولية، وتتداخل في مشروعه مفردات السلطة، والتمكين، واحتكار القرار. ومنذ عودته من منفاه الأميركي إلى ليبيا عقب ثورة 2011، بدأ حفتر رحلة تحوّل شائكة، ما لبثت أن تحوّلت إلى مغامرة عسكرية تتجاوز حدود الوطن إلى الجوار، في لعبة خطرة بالنار.

 

هذا التقرير يُسلّط الضوء على ملامح مشروع حفتر السياسي والعسكري، ويفكك خيوط تحالفاته، ويرصد مآلات تدخّله في الإقليم، ولا سيّما تدخله السافر في السودان عبر دعم المليشيات المتمردة.

 

 

 

من المنفى إلى المشهد الليبي

 

وُلد حفتر داخل المؤسسة العسكرية الليبية، وشارك في انقلاب العقيد معمر القذافي عام 1969، قبل أن يقع أسيرًا في تشاد خلال حرب الثمانينيات، ويُتخلى عنه من قبل النظام، ما دفعه للعيش في المنفى، حيث استقر في الولايات المتحدة لعقود.

 

عاد إلى ليبيا بعد الثورة، وطرح نفسه كمنقذ محتمل للبلاد من فوضى السلاح والانقسام، مستفيدًا من ضعف الحكومات المتعاقبة. ومنذ إطلاقه ما سمّاه “عملية الكرامة” عام 2014، سعى حفتر لإعادة رسم الخريطة الليبية بقوة السلاح، متجاوزًا الهياكل الدستورية والشرعية، تحت غطاء محاربة “الإرهاب”.

 

 

 

تحالفات إقليمية بثمن السيادة

 

ما لبث حفتر أن تحوّل إلى أداة إقليمية بامتياز، مدعومة من عواصم تسعى لترتيب البيت الليبي على طريقتها. تلقت قواته دعمًا واسعًا من الإمارات ومصر وفرنسا وروسيا، عبر أسلحة حديثة، ودعم جوي، ومعدات لوجستية، ومرتزقة “فاغنر”.

 

أبرزت الإمارات نفسها كداعم رئيسي، إذ بنت قاعدة “الخادم” الجوية شرق ليبيا، واستثمرت في حفتر بوصفه جدار صدّ ضد الإسلام السياسي. وفي المقابل، قدّم حفتر موانئ ليبيا ونفطها وقرارها السيادي على طبق من ذهب. بذلك، انتقل من قائد عسكري محلي إلى عنصر فاعل في مشروع إقليمي عابر للحدود.

 

 

 

بين خطاب الدولة وسلوك الميليشيا

 

رغم خطابه الذي يدّعي محاربة التطرف وبناء الدولة، فإن تقارير حقوقية كثيرة وثّقت انتهاكات واسعة ارتكبتها قوات حفتر، شملت الإعدامات خارج القانون، والاعتقالات التعسفية، واستهداف المدنيين والبنية التحتية.

 

أنشأ حفتر بنية موازية للدولة في شرق ليبيا، متحكّماً في مؤسسات الأمن والنفط والقضاء، بل أقدم على إصدار جوازات سفر خاصة، وتكوين حكومة غير معترف بها. وبهذا السلوك، أفرغ مفهوم الدولة من محتواه، واستبدله بمنظومة شخصية ومركزية، يقودها من مقر قيادته في الرجمة كما لو كانت ملكاً خاصاً.

 

 

 

معركة طرابلس: الهزيمة المفصلية

 

في أبريل 2019، أطلق حفتر هجومه الواسع على العاصمة طرابلس، بدعوى تطهيرها من الميليشيات. لكنه اصطدم بمقاومة شرسة من قوات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا، ليتحوّل التقدم السريع إلى مستنقع عسكري دام أكثر من عام، وانتهى بانسحابه تحت وقع الضربات الجوية والطائرات المسيّرة.

 

هزيمة طرابلس لم تكن هزيمة عسكرية فحسب، بل كانت نكسة سياسية قوضت طموح حفتر في الاستيلاء الكامل على السلطة، وأظهرت محدودية دعمه الشعبي وضعف تحالفاته الداخلية.

 

 

 

النفط في قبضة حفتر: سلاح الضغط والابتزاز

 

يمسك حفتر بخناق الهلال النفطي الليبي، ويستخدمه كورقة ضغط على الحكومات المركزية، إذ أغلق الموانئ مرارًا بدعوى توزيع غير عادل للعائدات أو لأغراض سياسية.

 

بهذا السلوك، تحول النفط من مورد وطني إلى أداة ابتزاز، وتسبب في خسائر اقتصادية تجاوزت مليارات الدولارات، وسط صمت إقليمي ودولي مطبق. وهذا السلوك يعكس غياب رؤية وطنية لصالح نزعة تسلطية لا ترى في الدولة سوى غنيمة سياسية.

 

 

 

التورّط في السودان: حفتر ورعاية الفوضى العابرة للحدود

 

الأخطر من كل ما سبق، هو تورّط حفتر الصريح في تأجيج النزاعات داخل السودان. فقد كشفت تقارير استخباراتية وإعلامية موثوقة أن حفتر قدّم دعماً لوجستياً وعسكرياً مباشراً للمليشيات المتمردة، وعلى رأسها قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).

 

وتشير المعلومات إلى فتح معسكرات تدريب في الجنوب الليبي، وتوفير خطوط إمداد للسلاح والذخيرة، وتنسيق عسكري مباشر تمّ عبر وسطاء إقليميين، أبرزهم الإمارات، التي تلعب دوراً مزدوجاً في الملفين الليبي والسوداني، وتسعى لخلق توازنات عسكرية تخدم مصالحها.

 

يأتي هذا التورط الخطير في وقت يُكابد فيه السودان حرباً أهلية طاحنة تهدد وحدته واستقراره، ما يضع حفتر في موقع مسؤولية قانونية وأخلاقية عن المساهمة في زعزعة الأمن السوداني، ويؤكد أنه يتصرّف كجنرال مرتزق لا كقائد وطني.

 

 

 

أبناء حفتر ومشروع التوريث العسكري

 

حفتر، الذي تجاوز عقده الثامن، لا يخفي رغبته في تمرير سلطته إلى أحد أبنائه، خاصة صدام حفتر، الذي يقود حالياً وحدات النخبة ويُنظر إليه كخليفة محتمل. لكن مشروع التوريث هذا يثير قلقاً واسعاً في أوساط الليبيين، الذين يرون فيه نسخة جديدة من ديكتاتورية القذافي، ولكن بلباس عسكري جديد.

 

الفراغ السياسي الذي قد يخلفه غياب حفتر، في حال وفاته أو تقاعده، يثير مخاوف من انفجار صراع داخلي في الشرق الليبي، بين أجنحة أمنية وقبلية ومصالح دولية متشابكة.

 

 

 

كلمة أخيرة: حفتر… مشروع دولة أم حصان طروادة للفوضى؟

 

في المحصلة، يظهر حفتر كقائد يحترف اللعب على التناقضات، يوظّف شعارات محاربة الإرهاب لبناء حكم عسكري خاص، ويتنقل بين العواصم طلباً للدعم والسلاح، بينما ينهار ما تبقى من مؤسسات الدولة الليبية.

 

إن تدخله السافر في السودان، واحتضانه للمليشيات المتمردة، يكشف الوجه الحقيقي لمشروعه: فوضى لا تقف عند حدود ليبيا، بل تمتد لإشعال المنطقة برمتها.

 

وحين يُختزل الوطن في شخص، وتُصبح الجيوش أدوات لخدمة المصالح الذاتية، فإن التلاعب بالنار لا يلبث أن يتحوّل إلى حريق شامل. وعلى الليبيين، والسودانيين، وشعوب المنطقة، أن يُدركوا أن مشاريع التسلط لا تصنع دولة، بل تُقوّضها من الداخل.

 

 

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام