مقالات الرأي
أخر الأخبار

التربية الوطنية في السودان: حجر الزاوية لإعادة الإعمار واستشراف المستقبل – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

أثار حديث رئيس الوزراء كامل إدريس حول ضم التربية الوطنية لوزارة التربية في إطار “حكومة الأمل” نقاشًا حيويًا حول دور هذا المنهج المحوري في بناء السودان الجديد. في تقديرنا، إن إعادة تعريف وتفعيل منهج التربية الوطنية بعد الحرب وإعادة الإعمار أمر بالغ الأهمية، فهو يمثل حجر الزاوية ليس فقط في ترميم ما دمرته الصراعات، بل في بناء جيل قادر على استشراف مستقبل مشرق للبلاد.

بعد الدمار الذي خلفته الحرب في السودان، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة بناء شاملة لا تقتصر على البنى التحتية، بل تمتد لتشمل النسيج الاجتماعي والقيم الوطنية. هنا يأتي دور منهج التربية الوطنية بفعالية، وذلك من خلال عدة محاور منها تعزيز الهوية الوطنية الجامعة، ففي ظل التحديات التي تواجه وحدة السودان وتنوعه، يمكن للتربية الوطنية أن تلعب دورًا حيويًا في غرس قيم المواطنة المشتركة والاعتزاز بالانتماء إلى وطن واحد. يجب أن يركز المنهج على إبراز التنوع الثقافي والعرقي كقوة للسودان، لا مصدرًا للانقسام. عبر تعزيز فهم التاريخ المشترك والإنجازات الوطنية، يمكن للمنهج أن يساهم في بناء شعور قوي بالانتماء يتجاوز الولاءات القبلية أو الإقليمية الضيقة.

ترسيخ قيم السلام والتسامح، لضمان عدم عودة الصراعات، يجب أن يصبح منهج التربية الوطنية أداة قوية لغرس قيم السلام، والتسامح، وقبول الآخر. يمكن تحقيق ذلك من خلال دراسة نماذج ناجحة للتعايش السلمي، وتعزيز الحوار البناء، وتفنيد الأفكار المتطرفة التي تغذي الكراهية والانقسام. يجب أن يتعلم الشباب كيفية حل النزاعات بالطرق السلمية ونبذ العنف بكل أشكاله.

بناء الوعي بالحقوق والواجبات، إن المواطن الفعال هو من يدرك حقوقه ويؤدي واجباته. يجب أن يركز المنهج على تعريف الشباب بحقوقهم المدنية، السياسية، الاقتصادية والاجتماعية، وفي المقابل، غرس روح المسؤولية تجاه المجتمع والوطن. هذا يشمل فهم آليات الحكم الرشيد، دور المؤسسات الديمقراطية، وأهمية المشاركة الفاعلة في الحياة العامة.

تنمية مهارات التفكير النقدي و المواطنة النشطة لا يقتصر دور التربية الوطنية على تلقين المعلومات، بل يجب أن يمتد إلى تنمية مهارات التفكير النقدي لدى الشباب. هذا يمكنهم من تحليل القضايا الوطنية، تقييم المعلومات، واتخاذ قرارات مستنيرة. كما يجب أن يشجع المنهج على المواطنة النشطة، حيث يكون الشباب جزءًا من الحلول، ويساهمون في بناء مجتمعاتهم المحلية والوطنية.

الشباب هم عماد المستقبل، وتأهيلهم لمواجهة تحديات الغد يقع في صميم أهداف التربية الوطنية. لكي يستشرف الشباب السوداني مستقبلاً مزهرًا، يجب أن يركز المنهج على تأهيل الشباب لسوق العمل الجديد، فيجب أن يراعي المنهج التغيرات العالمية في سوق العمل، ويربط بين القيم الوطنية ومهارات المستقبل. هذا يشمل تشجيع روح المبادرة، الابتكار، والقدرة على التكيف مع التحديات الاقتصادية. يمكن للتربية الوطنية أن تزرع في الشباب حب العمل والإنتاج، وتقدير المساهمة في الاقتصاد الوطني.

يجب أن يهدف المنهج إلى صقل مهارات القيادة لدى الشباب، وتمكينهم من تحمل المسؤولية في مجتمعاتهم. يمكن تحقيق ذلك من خلال المشاريع المجتمعية، الأنشطة اللاصفية، والنقاشات التي تشجع على التعبير عن الرأي وتولي المبادرة، وبعد سنوات من الصراع، يحتاج الشباب السوداني إلى جرعة من الأمل والتفاؤل. يمكن للتربية الوطنية أن تلعب دورًا في إبراز قصص النجاح السودانية، وإلهام الشباب لتحقيق أحلامهم، و إيمانهم بقدرتهم على بناء سودان أفضل. يجب أن يعزز المنهج الشعور بأن المستقبل مشرق ويمكن تحقيقه بجهود الجميع.

على الرغم من الأهمية القصوى للتربية الوطنية، فإن هناك تحديات تواجه تطبيقها بفعالية. تشمل هذه التحديات ضرورة تطوير منهج حديث وشامل، تدريب المعلمين على أساليب تدريس مبتكرة، وتوفير الموارد اللازمة. ومع ذلك، فإن هذه التحديات تمثل أيضًا فرصًا لإعادة التفكير في التعليم ككل في السودان، وجعله أكثر ملاءمة لاحتياجات الأمة بعد الحرب.

إن ضم التربية الوطنية لوزارة التربية في إطار “حكومة الأمل” هو خطوة في الاتجاه الصحيح. ولكن النجاح الحقيقي يعتمد على مدى الالتزام بتطوير منهج عصري، شامل، ومحفز للشباب. السودان اليوم في أمس الحاجة إلى جيل من الشباب الواعي، المسؤول، والمؤمن بقدرة وطنه على تجاوز التحديات وبناء مستقبل مزدهر. التربية الوطنية، إذا ما طبقت بفعالية، يمكن أن تكون القوة الدافعة لتحقيق هذا الأمل.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام