فوق الصفيح الدبة الساخن يهبط المدفعجي عبد الرحمن عبد الحميد – همس الحروف – ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

في ظهيرة مشتعلة بأشعة الشمس الحارقة ، و تزداد حرارة فوق حرارتها بالقلق والترقب ، وعلى أرض بدأت تتصدع أطرافها من صدى الخصام ، و الغبن اللئيم ، لم يهبط الرجل بطائرة ، ولم يصل وفده من خلف زجاج مظلل ، دخل بنفسه يدوس الأرض برجليه بقوة ، وجاء كأنه البرق الذي شلع في وضح النهار ، إنه المدفعجي الفريق ركن عبد الرحمن عبد الحميد إبراهيم ، رجل لا يُجيد سياسة الانتظار خلف المكاتب ، ولا يحبذ إدارة الأزمات عبر الهاتف .
من على صفيح الدبة الساخن ، نزل ومعه لجنة أمن الولاية ، لم يأتِ ليسأل ماذا حدث؟ ، لانه جاء ليقول أنا هنا ، فأين الذين عبثوا بالأمن ؟ .
الواقعة محزنة و لكنها عبارة عن نزف محدود نشأت من خلاف بين إخوة في الجغرافيا ، أبناء بطون قريبة في القبائل الكرام الكبابيش والهواوير ، فكانت النيران التي أُضرمت عبارة من جذوة صغيرة ، كادت أن تلتهم الهشيم ، فهنا لا بد من رجل من نار ، ليقف بين النار والنار ، ويعيد الاتزان و يرجع البوصلة لوضعها الطبيعي ، ويزرع في النفوس من جديد أن هيبة الدولة لا تسقط مهما علا صوت الفتنة .
في اجتماع كان عاصفاً ، جمع الوالي لجنة أمن ولايته و المحلية ، و لم يربت على الأكتاف ، ولم يشرب جرعة ماء يبل بها جفاف حلقه ، فلم يُلق خطاباً إنشائياً ، بل بدأ يقرأ التفاصيل بنداً بنداً ، و سطراً سطراً ، ثم جلجل بصوته الذي يشبه هدير الموج
قال القانون سينفذ ، ومن ظن أن الدولة غائبة ، فليعلم أن حضورها صارخ ، وقادم من قلب المعركة .
اللواء شرطة محمد علي الحسن الكودابي ، مقرر لجنة الأمن، أيد بحزم ما تم من معالجات ، مؤكداً أن المحلية اليوم آمنة ، وأن ما حدث كان تصرفاً فردياً من شباب متفلت ، و لكن حتى هؤلاء ، في ميزان الدولة، لا يعلون فوق القانون .
ومن قلب الموقف ، لم ينس المدفعجي أن يترحم على من قضوا ، وأن يتمنى الشفاء للمصابين ، ولكنه في قرارة صمته ، كان يجهز بالردع لكل من تسول له نفسه بتكرار المشهد .
الرجل في هيئته العسكرية ، وعيناه اللتان تتشكلان حسب خريطة معركة الكرامة ، فهو لا يتهاون مع من يعبث ، و خصوصاً في هذا الظرف الإستثنائي ، لا يخاف أن يخوض النار ، وقد أثبت اليوم أن الحاكم الحقيقي يخرج من بين غبار الأزمة و دخانها .
زأر بصوت اسد هصور قائلاً : نحن الدولة ، ومن يتحدى القانون ، سنرد عليه بلا تردد ،
هكذا تكلم المدفعجي ، وهكذا صمت الجميع ، حيث كتب في مدينة الدبة سطوراً جديدة في كراسة السيادة .
و الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل





