
في خضم الأزمات المتلاحقة التي يعيشها السودان، تتبدى ملامح شراكة جديدة قديمة – لكن أكثر نضجًا – مع دولة الصين، الشريك الذي ظلّ يحضر بثقله دون ضجيج، ويبني دون خطب، ويستثمر دون أن يلوّح بالعصا.
في لقاء مثمر، استقبل وكيل وزارة الطاقة والنفط الدكتور محي الدين نعيم محمد سعيد وفدًا رفيعًا من شركة هواوي الصينية، والذي قدم عرضًا تقنيًا شاملاً حول إمكانيات الشركة في دعم إعادة تأهيل البنية التحتية لقطاع النفط، وتوسيع الاعتماد على الطاقة الشمسية بطاقة تفوق 1000 ميغاواط.
هذا العرض الصيني لا يُقرأ بمعزل عن السياق الاستراتيجي العام، فالصين لا تتعامل كمانح مشروط، ولا ترسل مبعوثين يحملون “العصا”، ولا تطلب مقابلًا سياسيًا وراء كل مشروع تنموي.
إنها تدخل من بوابة التعاون التقني والمشاريع الإنتاجية، لا من نافذة الضغط السياسي أو التلويح بورقة العقوبات.
الصين تعمل دون أوراق ” *ون ون”،* ودون ابتزاز تحت *الطاولة.انت* *تكسب وانا اكسب*
*في مدينة بورتسودان – ذات الأهمية الاستراتيجية –* عرض الوفد الصيني مقترحات عملية لتعزيز الشبكة الكهربائية، مع التركيز على استخدام الطاقة النظيفة كخيار مستدام. هذه الرؤية تتقاطع مع حاجة السودان المُلحّة لتنويع مصادر الطاقة بعيدًا عن الاعتماد الكلي على الوقود الأحفوري أو المحطات المهترئة.
لقد أثبتت الصين أنها لا تطرح شروطًا سياسية موازية لمشروعاتها، بخلاف دول ومؤسسات دولية أخرى ما زالت تمارس وصايتها على الدول الإفريقية، تحت غطاء “الشفافية” و”الإصلاح المؤسسي”، بينما تُبطن أجندات محكومة بالهيمنة والنفوذ.
*الصين… بلا مبعوث يحمل العصا*
من أبرز ما يميز النموذج الصيني في العلاقات الدولية أنه لا يبعث مبعوثين يهددون بعقوبات، ولا يفرض إملاءات باسم الديمقراطية أو الحوكمة. الصين تبني الجسور لا الجدران، وتفتح الأسواق لا الملفات السياسية.
لا تشترط تعديل الدساتير، ولا تُملي شروطًا قسرية مقابل كل قرض أو مشروع.
*إنها دبلوماسية بلا استعلاء، واستثمار بلا وصاية، وشراكة بلا محاضرات.*
وفي خضم إعادة بناء السودان، تبدو هذه الشراكة أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنها تقوم على الندية والاحترام المتبادل، وتُتيح للسودان أن يُعيد بناء قراره السيادي دون أن يقع في فخ الارتهان السياسي أو التبعية الاقتصادية.
*ختامًا* …
الصين لا تُقدّم الوعود فقط، بل المشاريع ، لا تُقدّم المبعوثين، بل المهندسين.
ولا تحمل العصا… بل ترفع الخرائط، وتفتح الأفق لشراكة ذكية بلا وصاية.
قال تعالى: “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”
(المائدة: 2)
فهل نحسن – نحن السودانيين – قراءة هذا العرض التاريخي؟
وهل نحسن التفاوض بعقلية تحفظ السيادة، وتبني المستقبل؟





