مقالات الرأي
أخر الأخبار

حركات الكفاح ومطلوبات الفترة ✍️ عوض الله نواي

بسببٍ أو بدون، انفتح الباب، فتسرّبت من خلاله رياح الخلافات نحو حركات الكفاح المسلح الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، حاملةً في طياتها شيئًا من السموم والكثير من الأتربة التي كادت أن تعكر صفو المشهد الوطني، لا سيما في مدينة بورتسودان التي تحتضن اليوم مفاصل القرار.

 

بعض العنصريين ركبوا الموجة التي استهدفت الدكتور جبريل إبراهيم، مطالبين بإبعاده عن وزارة المالية، لا لشيء إلا لبصيرة مُعطلة، تقرأ الوقائع بنظارات الكراهية، وتُعلي منطق الإقصاء على حساب منطق الإنصاف.

 

لكن ما لبثت تلك السحابة أن انقشعت، حين تدخل الفريق أول شمس الدين الكباشي بحكمة القائد ومسؤولية رجل الدولة، ففتح حوارًا مباشرًا مع قيادات حركات الكفاح، ونجح في نزع فتيل الأزمة. وبفضل هذا الحوار، تبدل طقس المدينة الساحلية من خانقٍ إلى نسيمٍ عليل، وكأن الطبيعة تجاوبت مع هدوء السياسة بعد صخب كاد يعصف بها.

 

تأكد اليوم أن الدكتور جبريل سيمضي في حقيبته الوزارية، وأن مرشح حركة تحرير السودان – قيادة مناوي، سيُكلَّف بدوره بحقيبة أخرى. ولكن إن أردنا فعلاً أن نغلق “باب الريح” الذي يأتي منه الغبار كل حين، فهناك مطلوبات لا بد من استيفائها.

 

أول هذه المطلوبات، أن تتحول حركات الكفاح المسلح إلى كيانات سياسية ناضجة، تتجاوز منطق السلاح إلى منطق المشاركة السلمية، وتنفتح على السودانيين بكل مشاربهم، لا بمرآة القبيلة أو الجهة أو السلاح، بل من خلال مشاريع وطنية تُخاطب هموم المواطن في كل ربوع الوطن.

 

فالسياسة، بخلاف ميادين القتال، لا تحتمل ضيق الزوايا، ولا تُبنى على الرفقة القديمة في الخنادق. إنها فن إدارة التعدد، وميزان الإنصاف، ومعيار اختيار الكفاءات، لا المحسوبيات.

 

والمطلوب اليوم من قيادات هذه الحركات، أن يُحسنوا اختيار من يتولون المواقع الدستورية؛ رجال ونساء لا يُشق لهم غبار، يمثلون القومية لا الجهوية، ويبنون لا يهدمون، ويعززون الثقة لا يشعلون التوجس.

 

ونُضيف هنا أن اتفاقية جوبا – طال أمدها أم قصر – فإنها بطبيعتها اتفاق انتقالي، وليس دستورًا دائمًا. وستأتي لحظة يطويها فيها الزمن، لتبدأ مرحلة جديدة عمادها صناديق الاقتراع، لا صفقات التفاوض. ومن أراد أن يحتفظ بموقعه في تلك المرحلة، فعليه أن يستعد لها من الآن، لا أن ينتظر مفاجآتها.

 

ولا يكون ذلك إلا بفتح مكاتب تنظيماتهم في الشمال والوسط والجنوب، وتقديم أنفسهم كقوى سياسية تتحدث باسم الوطن لا باسم القبيلة، وتُجسّد التنوع لا تُدجّنه، وتغلق باب الهرجلة والانغلاق إلى الأبد.

 

فصناديق الاقتراع لا تعترف بالذخيرة، بل بالبصيرة.

 

وكما قال كونفوشيوس:

“إذا أردت أن يكون الناس صالحين، فابدأ بإصلاح لسانك وسلوكك.”

وإنّ إصلاح السلوك السياسي لحركات الكفاح، مدخله الأول أن تعي دورها الجديد، لا كمجرد طرف في اتفاق، بل كفاعل في بناء وطنٍ يتسع للجميع.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام