
دائما ما أشبه الحياة بالالياف الضوئية، وأقول إن هناك بعض الاضواء الساطعة جدا، وهي تمثل اؤلئك الرجال الذين كتبوا اسمائهم بأحرف من نور في سفر الحياة. سادتى بالأمس تشرفت بحضور ليلة العرفان لرجلين من خيرة أبناء السودان، وهما الشيخ أحمد عبدالرحمن محمد والسفير بشرى الشيخ دفع الله، الذي أقامته رابطة جمعيات الصداقة العربية الصينية، وجمعية الصداقة المصرية الصينية ببيت السودان بجمهورية مصر العربية، فكان تأبينا مهيبا يعكس قدر الرجلين، رحمهما الله واسكنهما أعالي الجنان، وقد ضاقت القاعة الكبرى بالحضور الكبير الذي تقدمه سعادة سفير السودان بمصر، الفريق ركن مهندس عماد الدين عدوي، ورموز حزبية واجتماعية تؤكد قوة تأثير الرجلين.
سادتي لدي طرفة دائما ما احكيها، وهي أن هناك ما يسوقني لانتحال اسم عم أحمد، وذلك دائما ما يفتح لي الأبواب خاصة المغلقه، فما أن أقول اسمي الثلاثي حتى يبادر أحدهم بالسؤال (انت بت احمد عبدالرحمن محمد)؟ فأقول نعم، فيفتح الباب العنيد، وقد التقيته لأول مرة في مجلس الصداقة الشعبية، وكنت اجري معه حوارا صحافيا، وقصصت عليه قصتي مع إسمه، وطلبت منه أن إذا سأله أحد أن لا يقول انني لست ابنته، فضحك وقال ما بقول لانك ابنتي فعلا، وأظن كان يقصد أن يملكني احساس الأبوة، وكنت سعيدة جدا بحديثه، خاصة وأنني انزلت عن كاهلي قصة أنتحال القرابة.
والآن وبعد استماعي لشهادات من عاصروه تأكدت أن ما قاله لي كان جادا فيه، لأن كل من تعامل معه كان يتعامل معه بكل ارتياح، لدرجة أن الرجل تجاوز كل الحواجز الحزبية، والصراعات بين الأحزاب، فذوب جليدها وكل ماهو صلب فيها، فعرف برجل المصالحات، وحلال المشاكل، ومخترق الصعوبات، سجل الشيخ أحمد عبدالرحمن محمد عددا من المواقف الوطنية تجعله يتربع على قمة صفحات موسوعة غينيس وبشهادة الشهود.
سادتي لعل شيخنا الجليل الذي عرف بعلاقاته المتميز مع الجميع استطاع أن يحدث اختراقا كبيرا في العلاقات السودانية الصينية، والعربية الصينية، فكانت بصماته واضحة فيها حتى الآن، وليس ذلك فحسب بل إن الرجل أحدث انفتاحا كبيرا في العلاقات الافريقية والعربية، وهاهي العلاقات الافريقية العربية المتينة تقف شاهدة على ذلك.
لقد كان حديث الأشقاء المصريين عميقا ومدهشا عن الراحل المقيم، فقد تحدثوا بصفات الفقيد الحميدة وقدرته على تمتين العلاقات بين القيادات الاجتماعية البارزة بين البلدين.
سادتي لم يبخل السفير بشري بخبراته وعلاقاته الدبلوماسية المتميز على السودانيين وخدمتهم بكل تجرد ونكران ذات، فكان العمل الانساني من أولوياته القصوى، وقد قدم الكثير لأبناء السودان والأمة العربية.
ما يحيرني أننا لا نسعد ونتباهى بأمثال هؤلاء الرجال وهم بيننا، و نستفيد منهم ونقدرهم وهم أحياء، ولا نعرف قيمتهم الا عندما نفقدهم، وهذا هو حالنا أن نشكر بعد الغياب، ليتهم يسمعوننا ونحن نقول لهم شكرا لاحسانكم لنا ولاوطاننا.





