
– الشيطان يكمن في التفاصيل، لكنّه لا يكتفي. أحياناً، يختبئ في مؤخرة قطار التشكيل الوزاري، ذلك القطار الذي يشرف على محطاته الحفيان، كما أوردنا في مقال سابق. ومع أنّ رئيس الوزراء جاء إلى السودان كهاردوير قوي: جهاز كمبيوتر مزوّد ببروسيسور تتجاوز سرعته 3.6 GHZ وذاكرة تفوق 72MB، إلا أن هذا الجهاز العبقري نُسي دون نظام تشغيل. لا “لينكس”، لا “آبل”، ولا حتى “ويندوز” الذي تسلّل عبر نوافذه العريان، فظل يبرمج كل شيء بتقديراته.
– في ظل هذا الغموض، تداول الناس أخباراً عارية من الصحة، ليفرشوا بؤساً جديداً على صفيح الغضب المتقد في جوف مني أركو مناوي، والذي يشتعل أصلاً من لهيب الحصار على الفاشر، والعمليات العسكرية التي تضرب ولايات دارفور التي ظل يحكمها ـ من بعيد ـ عبر مكتبه في العاصمة الإدارية: بورتسودان.
– في خضم هذه الفوضى، كتب زميلنا الهندي عز الدين مدافعاً عن الوزير محمد بشير أبو نمو، وهي كلمة حقّ تُشكر، فالرجل ـ أبو نمو ـ أظهر موقفاً سيادياً نادراً حين ترأّس وفد الحكومة إلى واشنطن قائلاً بصوت جهور: “نحن حكومة نحاور كحكومة، ولسنا جيش أبو ريشة يُفاوض وحده ويُقاتل وحده”.
– ورغم ذلك، لم ينعقد اجتماعٌ واحدٌ لمجلس السيادة منذ إعلان التشكيل، ولا تزال الحقائب تتدلى من خطاف المفاوضات، كما تتدلّى اللحوم في سقف سوق نيالا.
– مني أركو مناوي، رجلٌ إذا ركب الرأس لا ينزل، وإذا أمسك بالمقبض لا يُفلت. وبعد أن تحرّك قطار التشكيل بمن فيه، تبقّت له عربة واحدة فقط. فهل ننتظر أن يُركب رأسه بدلاً عن مرشحه؟ أم نعيد فتح بوابة وزارة المعادن، فقط لنرضي رأساً واحداً؟
– بالمقابل، أصدرت حركة/جيش تحرير السودان بياناً رسمياً تؤكد فيه أنّها قدّمت مرشحيها للسيد رئيس الوزراء، أسوة بالحركات الأخرى، ولم تتسلّم حتى الآن ردًّا رسميًا، نافيةً ما يروجه “أصحاب الأقلام الرخيصة” ـ على حدّ تعبير البيان ـ مؤكدةً تمسّكها بحقها كاملاً.
– وجاء في البيان الموقع باسم الناطق الرسمي للحركة، الصادق علي النور:
– “توضح حركة/جيش تحرير السودان لجماهيرها وللشعب السوداني بأنها قدمت مرشحيها للسيد رئيس مجلس الوزراء بجانب مرشحي الحركات الأخرى، ولم نتسلم رداً رسمياً من أية جهة. ونؤكد أن ما يشاع بواسطة الأقلام الرخيصة غير صحيح بتاتاً. وهذا ما لزم توضيحه.”
– لكن إن كانت هناك ملاحظات على مرشح مناوي ـ كما قال الهندي ـ فلِمَ لا يُبقِي على أبو نمو في مقعده؟! كما عاد جبريل وكرتكيلا دون ضجيج. فـ”مافيش حدّ أحسن من حد”، والناس تعرف من هو الأفضل.
– في النهاية، شيطان التشكيل لا يسكن “البرامج” فقط، بل يندس في الأنا، وفي شهوة الحضور، وفي وهم المكونات، حين تتوهم كل مكون أنّه المكوّن الوحيد!





