مقالات الرأي
أخر الأخبار

الفاشر: صرخةٌ في وجه الصمت الدولي – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

تتوالى المآسي في السودان، وتتفاقم الكارثة الإنسانية في مدينة الفاشر بشمال دارفور لتصل إلى مستويات غير مسبوقة من البشاعة والوحشية. فبينما يعيش ملايين المدنيين الأبرياء تحت وطأة حصار خانق وغير إنساني تفرضه ميليشيا الدعم السريع المتمردة، يتجلى صمت دولي مخزٍ يكشف عن إزدواجية المعايير وتخاذل الضمائر. بيان رئيس الوزراء السوداني، الدكتور كامل إدريس، لم يكن مجرد تصريح رسمي، بل كان صرخة غضب وألم ومسؤولية، تليق بحجم الكارثة التي تتكشف فصولها أمام أعين العالم.

إن ما يحدث في الفاشر ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل هو جريمة حرب مكتملة الأركان. فاستخدام التجويع كسلاح ضد المدنيين، ومحاصرتهم بشكل ممنهج، واستهداف المستشفيات وتدميرها، والاعتداء على قوافل الإغاثة وعمالها، كلها ممارسات ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية. هذه الممارسات الوحشية التي تقوم بها ميليشيا الدعم السريع تكشف عن وجهها الحقيقي الخالي من أي قيم أخلاقية أو إنسانية، وتؤكد أنها لا تعبأ بأي قوانين دولية أو أعراف إنسانية.

لقد أثبت المدنيون العزل في الفاشر، بصمودهم الأسطوري في وجه هذا الحصار الغاشم، أن الكرامة الإنسانية لا يمكن شراؤها أو قهرها. صمودهم هذا هو شهادة حية على إرادة الحياة، ورفض الخضوع للظلم والتجويع. إنهم يستحقون منا كل التقدير والتضامن، وليس فقط بيانات الشجب والإدانة.

وفي المقابل، فإن الدور البطولي الذي قامت به القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى، والقوات المشتركة، والقوات المساندة والمستنفرين، في الدفاع عن الفاشر والمدنيين العزل، يستحق التحية والتقدير. إنهم يقفون سداً منيعاً في وجه الهمجية والوحشية، ويضحون بأرواحهم لحماية الأبرياء.

إن دعوة رئيس الوزراء السوداني للمجتمع الدولي، ممثلاً في الأمين العام للأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإنسانية، للتحرك الفوري ليست مجرد مناشدة عادية. إنها تحذير صارخ من أن استمرار الصمت على هذه الجرائم سيجعل الجميع شركاء فيها. تذكرنا الحكومة السودانية بأن ميليشيا الدعم السريع هي الجهة الوحيدة التي تتحدى وترفض تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2736، بينما ترحب الحكومة السودانية وتوافق على الهدنة. هذا يكشف بوضوح عن الجهة التي تعيق وصول المساعدات الإنسانية وتتحمل مسؤولية ما يجري من تجويع وترويع ممنهج.

إن مهاجمة قوافل الإغاثة، وقتل السائقين، ونهب الشحنات، والاعتداء على عمال الإغاثة دون أي موقف حاسم أو إدانة حقيقية من المنظمات الدولية، هو أمر لا يمكن قبوله. هذا التجاهل المفضوح لا يخدم إلا مرتكبي هذه الجرائم، ويشجعهم على الاستمرار في غيهم. إن تصفية المدنيين الفارين من جحيم الحصار والقصف في الفاشر، وتهديد حياة الملايين نتيجة التدمير الممنهج والقصدي للمستشفيات، كلها جرائم لا يمكن التغاضي عنها.

لقد حان الوقت ليخرج المجتمع الدولي من دائرة البيانات الفاترة إلى دائرة الفعل الجاد والضغط الحقيقي. يجب على الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والحقوقية أن تتحمل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية، وأن تمارس أقصى درجات الضغط على ميليشيا الدعم السريع لفتح الممرات الإنسانية، ووقف استخدام الجوع كسلاح، وإنهاء الحصار الظالم على الفاشر.

إن ما يحدث في الفاشر هو وصمة عار في جبين الإنسانية. إنها دعوة ملحة للضمير العالمي لليقظة والتحرك قبل فوات الأوان. فهل سنشهد تحركاً جدياً ينهي هذه المأساة، أم سيبقى صمت العالم هو الرد الوحيد على صرخات الأبرياء في الفاشر؟

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام