
في ذاكرة القلب، تقيم بعض الأرواح مقامًا لا يبرحه الزمن، ولا تطفئ وهجه الأيام، ومن بين تلك الأرواح — بل في مقدمتها — خالتي، وأمي الثانية، الراحلة الحاضره:
أم كلثوم إبراهيم القاعوري (دهبه).
وما أصدق اسمها، وما أصدق كنيتها…
فالذهب لا يصدأ، وإن غاب تحت الثرى، لا يفقد بريقه ولا قيمته، بل تزداد الأيام به تقديرًا وتوقيرًا.
رحلت “دهبه” التي لم يكن بريقها يومًا في حُلّة أو زينة، بل في كرمها وعفتها وعطائها، في قلبها الكبير، ويدها التي لم تبخل، وروحها التي لم تعرف الأنانية ولا التقاعس عن واجب ولا نداء.
كانت، كما عرفناها وكما عرفها كل من مرّ بها، أمّة من الرحمة، تمشي على الأرض…
تصل رحمها، وتلحق الضعيف، وتكرم القريب والغريب، وتلتمس مواضع الحاجة دونما إعلان ولا تباهٍ.
كم رافقتها… وكم علمتني في صمتها ما لم تعلّمه الكلمات…
كانت تأبى إلا أن نذهب معًا
وكانت تكرمني برفقتها بسيارتها، التي جعلت منها وسيلة للخير لا للزينة.
بل تركت سيارتها التي إشترتها بأموالٍ طائلة معي
لفترة سنوات،، وهي وبناتها
غير راغبات في القيادة..
وكانت تحرص على أن تكون حركتها في الخير وبالخير ولا ترتضي حتى مشاركتها في دفع جزء من ثمن الوقود..
حتى ولو كنت حينها بسيارتي،، تصرُ ان تكون حركتنا بسيارتها هي التي جعلتها باباً من أبواب الخير
تُقلِ المريض،، وتصل المحتاج،، وتغيثُ المنادي.
فقد وهبت حركتها لذلك
وانا من الشاهدين
فكانت تحمل بها مؤٓن غذائية،، وعلاجات وادوية
واحياناً كثيرة،، ودونما علمي بل توقعي أموالاً
لأناس اعرفهم ولا اعرفهم
كم توقفت فجأة عند باب بيت… أو عند زاوية… تنزل بهدوئها المألوف، تسلّم، وتُخرج من بين طيّات ثوبها ظرفًا تخبئه بين طبقاتِ ثوبها…
ظننتها في البداية رسائل أو أوراق عابرة… حتى تيقنت دونما ان تخبرني ولو ل مرة أن تلك الظروف تحمل عطاياها للمحتاجين، لا تعرفهم كلهم، ولا يعرفونها إلا كما يعرف السحاب الأرض العطشى…
رحلت دون وداع…
وكأنما ارتضت أن لا ترّٓ في أعيننا، حزن رحيلها،، رأفةً بنا
رحلت وهي التي تملأ دنيانا
تواصلاً وتحناناً وعطاءً
وتركت فراغًا لن يملأه سواها…
وكأنها لم تتركنا، بل سكنت فينا، في ذاكرة نبضاتنا، وفي نسغ الحياة الذي يجري في أهلها وذريتها…
بناتها — فاطمة، وآمنة، ووجدان، ورندا، ورشا — أخوات لنا… وإن لم تلدهنّٓ أمنا… كأن رحمًا واحدًا جمعنا، ورحم الله من كانت رحمًا ورحمةً…
نسأل الله الكريم أن يجعلها من أهل الفردوس الأعلى، ويجعل البركة في ذريتها، وهم آلان فعلاً وقولاً
يسيروا على دربها في الخير،
بناتها واحفادها(مصطفى عبد العظيم وآلاء وفاطمة
وأسماء وأمين ومحمد واحمد
ومكي علاء الدين مكي واخوانه مصطفى وعدي)
فنحنُ نحبهم جميعاً
لأنهم ريحان الأم الخالدة
ام كلثوم (دهبه).
نسأل الله ان
يمنّ عليهم بجميل الذكر وعظيم الأثر، إلى يوم الدين…
اللهم اغفر لها وارحمها،
وأبدلها دارًا خيرًا من دارها، وأهلاً خيرًا من أهلها،
واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة…
آمين.
Alialhashemi444@gamil.com





