مقالات الرأي
أخر الأخبار

في ظلال بعض الغموض ، قراءة متأنية في حادثة الهجوم على قسم شرطة الغدار – همس الحروف – ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

في ساعات متأخرة من ليلة أول أمس ، وبينما تغفو قرية (دنقلا العجوز) التي تقع على ضفاف شرق النيل ، فقد باغت سكون الليل صوت رصاص كسر طمأنينة القرية ، وانبثقت من العتمة مجموعة مسلحة نفذت هجوماً صادماً على قسم شرطة الغدار بمحلية القولد ، في واقعة شغلت الرأي العام وأثارت كثيراً من التكهنات والتأويلات والجدل .

 

لكن قبل أن نُسلم للأوهام ، أو نُجاري الأصوات المتسرعة في إطلاق الاتهامات ، لا بد لنا أن نُعيد ترتيب الحقائق كما وردت من مصادرها الرسمية ، وأن نضع النقاط فوق الحروف ، قبل أن نغرق في ضباب التخمينات.

 

أولاً : دنقلا العجوز ليست هي دنقلا العاصمة ومن المهم التفريق بين الموقعين ، فـ(دنقلا العجوز) ليست هي حاضرة الولاية الشمالية ، وإنما هي قرية حضرية هادئة ، تقع شرق النيل على بعد نحو 100 كيلومتر من دنقلا العاصمة التي ترقد على ضفاف غرب النيل و هذا التوضيح ضروري جداً لفهم جغرافيا الحدث وبيئته ، حتى لا يظن الناس الحديث عن دنقلا العجوز هي دنقلا العاصمة .

 

ثانياً : لا وجود لأي حركات مسلحة أو مجموعات منظمة في هذه القرية الحضرية ، وما أُشيع عن ضلوع (المشتركة) أو أي كيان عسكري آخر نظامي أو غير نظامي هو محض افتراء ، فلم يُرصد أي وجود لعناصر تتبع لتلك القوات في محلية القولد أو بالقرب منها ، ولا توجد أي خلايا نائمة في تلك المناطق كما إدعى البعض ، ونجد أن محاولة الزج بالقوات المشتركة في هذه الجريمة هي مجرد محاولة لصرف النظر عن الحقيقة ، أو تسييس حادثة هي في صفتها جنائية بحتة .

 

ثالثاً : هذه الجريمة غير منظمة وعشوائية ، وكل المؤشرات والدلائل الجنائية تؤكد أن الهجوم لم يكن مخططاً له على المدى الطويل ، بل جاء بدافع مفاجئ وارتجالي ، وما جرى لم يحمل أي سمات لعمل إجرامي منظم ، بل كان ثمرة قرار عشوائي نفذه الجناة في لحظة غفلة .

 

رابعاً : لم يكن الهدف من الاعتداء على هذا المركز إطلاق سراح متهمين ، و ذلك يرجع إلى أن القسم لا يحتجز أي متهم في لحظة وقوع الجريمة فالزنازين كانت خالية تماماً ، ولم يُسجل في دفتر الأحوال أي بلاغ ضد محتجزين أو مطلوبين ، وبذلك يسقط الاحتمال القائل بأن الغرض من الهجوم كان تهريب أحد السجناء .

 

خامساً : السلاح هو الهدف ، والقتل لم يكن مقصوداً ، وهذا ما كشفته مجريات الحادث ، والغاية الأساسية من اقتحام القسم كانت الوصول إلى السلاح الموجود بداخله ، وهذا في حد ذاته أكبر دليل يؤكد الطابع المؤقت للجريمة ، وأنها لم تُبن على تخطيط متقن ، وأما عن الأرواح التي أُزهقت نسأل الله لهم الرحمة ، فإن القتل لم يكن في نية المهاجمين ، إذ أن إطلاق النار على لساتك الدورية وتانك الوقود كان يهدف فقط لتعطيل الحركة الأمنية ، لكنه تصادف مع وجود بعض أفراد الشرطة كانوا نائمين خلف السيارة ، ما أدى إلى إصابتهم مباشرة ، في مشهد مأساوي نأسف له جميعاً .

 

التطورات في الحادث ما بعد الجريمة بالقسم هي السطو الفاشل على البنك الزراعي ، فعقب الهجوم على القسم ، حاولت المجموعة المسلحة السطو على فرع البنك الزراعي بالغدار ، و الذي يبعد على نحو 350 متر من القسم ، و من المحتمل أن هذه المجموعة لديها علم مسبق بإيداع مبالغ مالية كبيرة في خزانة البنك خلال ساعات الدوام الرسمي ، لكن المحاولة باءت بالفشل ، لعدم تمكنهم من فتح الخزنة ، وهذه المحاولة الفاشلة تؤكد مرة أخرى أن الجريمة ارتُكبت دون تخطيط ، وبدوافع لحظية .

 

من المرجح ان الأسباب الكامنة لهذا السلوك الإجرامي المسلح هو خلفيات اجتماعية ، فلا يمكن النظر إلى هذه الحادثة بمعزل عن السياق الاجتماعي والأمني في المنطقة ، فقد كان إغلاق (منطقة المثلث) والتي كانت تمثل مصدراً للدخل غير المشروع للبعض ،و هذا الأمر اصبح سبباً في إفقاد عدد من المتفلتين لمصادر دخولهم ، ما دفعهم للبحث عن بدائل أخرى ، وإلى جانب ذلك ، لا يمكن إغفال تأثير انتشار المخدرات وحبوب الهلوسة وسط بعض الشباب ، مما يسهم في تفاقم الأوضاع الأمنية والانزلاق في مستنقع الجريمة .

 

فصوت العدالة هو أعلى من صوت الرصاص ، حيث ما زالت السلطات تتابع إجراءات التحقيق للوصول إلى الجناة ، وقد أكدت حكومة الولاية الشمالية أن العدالة ستأخذ مجراها، وأن أمن واستقرار الولاية خط أحمر لن يُسمح بتجاوزه .

 

ونحن بدورنا كإعلام نناشد المواطنين الكرام ووسائل الإعلام الوطنية بتحري الدقة في تناول الحادث ، وعدم الانسياق وراء الشائعات والمعلومات المضللة ، والاعتماد فقط على المصادر الرسمية المعتمدة ، ففي مثل هذه اللحظات العصيبة ، تزداد الحاجة إلى صوت العقل ، وإلى الحكمة في نقل الحقيقة ، وليس إلى زخم الإثارة .

 

و الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام