
بينما كان الدكتور الأنيق كامل إدريس يناقش بحماس كتاب الأمن السيبراني، متحدثًا عن الهجمات الرقمية وكأنه يخاطب وادي السيليكون، كانت بنوكنا – يا سيدي – خارج المقاصة تمامًا، تتخبط في تحويلاتها، وتغلق أبوابها على عملاء غاضبين لا يعرفون هل أموالهم مجمدة في النظام أم ضاعت في الطريق! مشهد يفضح هشاشة الدولة الرقمية أكثر مما يشرحه أي كتاب.
*التفتُّ إلى حماري وقلت له:*
ــ يا حماري، هل تعرف ما هو الأمن السيبراني الذي يتحدثون عنه؟
*هز أذنه ساخرًا وقال:*
ــ أهو نوع جديد من الدبابات أم سلاح كاتيوشا محدث؟
*ضحكت وقلت:*
ــ لا يا صاحبي، هذه حرب أخرى تُدار بالكودات لا بالكلاشنكوف، وبالهاكرز لا بالدبابات. فبينما الجيش يحاصر المليشيا في صقع الجمل وأم صميمة، هناك جبهة أخرى تحاصرنا من صقع الشبكة!
*نظر إليّ متعجبًا وقال:*
ــ يعني الذي يجلس في غرفة مكيفة يمكنه أن يسقط مدينة كاملة؟
أشرت إليه بإصبعي وقلت:
ــ نعم يا حماري… تعال أحدثك عن مركز المقاصة، ذاك القلب الرقمي الذي تمر عبره كل أموال البنوك. هذه الغرفة الصغيرة لو توقفت لدقيقة واحدة، تجمدت الحسابات وتوقفت الرواتب. في الدول المتقدمة لا يضعون رقابهم كلها في مقصلة واحدة:
• أمريكا توزع مقاصتها عبر شبكة (Fedwire) في مواقع متعددة، ولكل ولاية مراكز طوارئ احتياطية.
• الإمارات تربط مركزها في أبوظبي بنسخ احتياطية في دبي والشارقة.
• مصر أنشأت مقاصة إلكترونية موزعة بين القاهرة والعاصمة الإدارية الجديدة.
• ألمانيا وسويسرا تحمي مقاصاتها في منشآت سرية تحت الأرض حصينة كأنها ملاجئ نووية.
*أما السودان… فالقصة أشبه بالنكتة:*
1. كل شيء مربوط في مدينة واحدة (بورتسودان بعد الحرب)، وكأننا نلعب لعبة الحظ: إذا انقطعت الكهرباء أو تعطل السيرفر، شُلّت الدولة كلها.
2. لا توجد مراكز احتياطية حقيقية ولا خطط استمرارية أعمال.
3. والأسوأ؟ بعض الموظفين يتعاملون مع هذه الأنظمة بعقلية “دكان الحي”، كلمات مرورهم مكتوبة في أوراق عادية أو متداولة بين الموظفين، وكأنها “باسوورد واي فاي”!
⸻
*🐴 ورد حماري ساخرًا:*
*هز حماري أذنه وقال:*
ــ يا مولاي، في دول العالم غرف المقاصة محصنة مثل بنوك الذهب… أما نحن فنجعلها في غرفة واحدة كأنها “حوش عرس”، ثم نقول عند الانهيار: “المؤامرة الدولية هي السبب”!
*قلت له:*
ــ ولماذا يتهاون السودانيون برأيك؟
قهقه حماري وقال وهو يلوّح بذيله:
ــ لأننا نحب العجلة يا مولاي… نريد أن نربط كل شيء في مكان واحد “عشان أسهل”، ثم حين تنهار الشبكة نقول: “ده قدر الله”!
⸻
*✅ خاتمة*
*إذا أردت دليلاً عمليًا على هشاشة أمننا السيبراني، فلا تبحث بعيدًا: توقف المقلية ببن البنوك منذ بداية الحرب وحتي يومنا هذا ، كان إعلانًا صريحًا بأننا لا نملك جبهة رقمية حقيقية. في الوقت الذي يكتب فيه العالم فصوله في حماية بياناته، نحن ما زلنا نحرس ملياراتنا بباسوورد اسمه “1234”، ثم نلوم “المؤامرة الدولية” إذا انهار كل شيء بضغطة زر!*





