
– تظهر هذه المسميات الغريبة، مثل “دولة النهر والبحر”، كالبعاتي؛ يسخر منها الناس أول الأمر، ثم تفاجئنا وهي تطرق أبواب حياتنا الحقيقية، تُمارس عنصريتها والشمس في رابعة النهار، وتغذي الكراهية والبغضاء، وتشحن الناس بسموم قاتلة لا مشروع لها سوى الإشاعات.
– اليوم يروج ناشطو هذه الدولة لإشاعة جديدة: إحالة الفريق أول شمس الدين كباشي للمعاش. إشاعة بلا سند رسمي، لكنها صُممت لإحداث فتنة داخل المؤسسة العسكرية، ولجرّ البرهان إلى شاطئهم كي يعتلي عبارتهم الصدئة.
– لكن الحقيقة أن هذه المؤسسة لم تُبن على قرارات فردية عابرة. فعندما اعتصم الناس أمام القيادة العامة، وحُسمت الأمور بإسقاط النظام السابق، لم يكن القرار نزوة فرد أو طموح قائد وحيد، بل كان قرارًا جماعيًا اتخذته اللجنة الأمنية مجتمعة، كما أعلن ابن عوف يومها وهو يتحفظ على رأس النظام.
– إبراهيم جابر، ياسر العطا، شمس الدين كباشي، البرهان، وحتى حميدتي – قبل أن ينقلب – كانوا يناقشون ويتجادلون، ولا يُتخذ قرار إلا بروح الفريق الواحد. حتى قرارات 25 أكتوبر التي صُوّرت وكأنها انقلاب فردي، كانت في حقيقتها قرارًا جماعيًا وافق عليه كل العسكريين في مجلس السيادة، أو على الأقل لم يعارضوه علنًا.
– الخطر الحقيقي لا يكمن في قرار فردي، بل في تلك الجماعات التي تُزيّن للحاكم أفعاله، فتُغرقه في أصوات التمجيد حتى يظن أن صوته وحده هو الحقيقة المطلقة. هنا فقط يتسلل البعاتي… وهنا تحديدًا تلعب “دولة النهر والبحر”.
– هذه المؤسسة العسكرية لم تُبنَ لتُدار برغبة فرد أو تنهار بشائعة عابرة؛ هي أشبه بجدار الطين السوداني القديم: متماسك بتداخل أيادي صانعيه، متين بتعاضد طوباته. من يظن أنه قادر على نزع طوبة وإسقاط الجدار واهم، فهنا القرار يُصنع في غرفة واحدة وبعقول متعددة، وسيظل كذلك حتى تُطوى صفحة هذه الفترة الانتقالية بمنطق الجماعة لا بمزاج الأفراد.





