السعي نحو سلم اجتماعي مستدام: جهود متكاملة لمستقبل السودان – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

تتضافر الجهود في السودان، على المستويين الرسمي والمجتمعي، لمواجهة تحديات التفكك الاجتماعي وخطاب الكراهية، وترسيخ دعائم السلم والتعايش السلمي. يبرز في هذا السياق قرار رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس بإنشاء المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي، إلى جانب إطلاق المشروع السوداني للسلام الاجتماعي برئاسة الدكتور عثمان محمد يوسف كبر. هذه المبادرات، وإن اختلفت في طبيعتها ومصادرها، إلا أنها تصب في بوتقة واحدة، ألا وهي استعادة النسيج الاجتماعي الممزق وبناء مستقبل يسوده الوئام والاستقرار في السودان.
يمثل إنشاء المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي خطوة حاسمة نحو إضفاء الطابع المؤسسي على جهود السلام والمصالحة. برئاسة النور الشيخ النور الشيخ ونائبه إسحق ميرغني الشيخ حمد النيل وأمينته العامة عاليا حسن أبونا، يهدف المجلس إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الطموحة. فهو يسعى إلى تعزيز السلام والمصالحة، وتماسك النسيج الاجتماعي، والتعايش السلمي، وترسيخ ثقافة السلام. كما يهدف إلى صياغة رؤى واستراتيجيات وطنية للسلم الاجتماعي والثقافي، والعمل كمظلة جامعة لمختلف الفعاليات المجتمعية المعنية بهذا الهدف النبيل.
تتعدد مهام المجلس لتشمل نشر وتعميق مفاهيم التسامح والتصالح وقبول الآخر بين مكونات المجتمع، وتنظيم حملات توعية مكثفة حول أهمية السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية. كما يركز على تشجيع الحوار البناء بين المكونات الاجتماعية المختلفة، وإجراء دراسات معمقة حول الأسباب الجذرية للنزاعات لتقديم مقترحات حلول فعالة. ولضمان استدامة جهوده، سيعمل المجلس على بناء شبكات تواصل قوية وتوفير الدعم الفني للمبادرات الاجتماعية الهادفة إلى تعزيز السلم. إن وجود هذا الكيان الرسمي يبعث برسالة واضحة حول التزام الدولة بمعالجة قضايا الانقسام وتكريس الموارد اللازمة لتحقيق السلام.
في موازاة الجهود الرسمية، يأتي إطلاق المشروع السوداني للسلام الاجتماعي ليعكس حيوية المجتمع المدني السوداني وقدرته على المبادرة. يؤكد الدكتور عثمان محمد يوسف كبر، رئيس المشروع، أن الهدف الأساسي هو إعادة بناء الثقة الوطنية وتماسك اللحمة السودانية عبر العمل الاجتماعي. يشدد كبر على أن المشروع يقوم على أسس سليمة تبدأ بالاعتراف بالمشكلة، بعيداً عن الولاءات الضيقة والجهوية والعصبيات والقبلية التي مزقت المجتمع. هذا التأكيد على التجرد من الانتماءات الضيقة يعكس فهماً عميقاً لجذور المشكلة ويعد خطوة أساسية نحو بناء حلول مستدامة.
ما يميز هذا المشروع هو نهجه الشامل وغير التنافسي. فهو مفتوح لكل السودانيين دون عزل أو حجر، ولكل من يرى في نفسه الكفاءة والقدرة على العطاء، مؤكداً على أن أساسه اجتماعي وقاعدته مجتمعية لا سياسية ولا نخبوية. هذا التوجه يضمن أقصى درجات الشمولية ويعزز من فرص نجاح المشروع.
سيعمل المشروع على مسارات متوازية ومتكاملة، تشمل:
المصالحات المجتمعية الحديثة: التي تختلف عن الطرق التقليدية في التسويات، مما يشير إلى تبني منهجيات مبتكرة لمعالجة النزاعات.
دعم برامج التكايا: لما تقدمه من خدمات للناس في مختلف الظروف، وهو ما يجسد الدور الإنساني والاجتماعي للمشروع.
إعداد برنامج شامل لمكافحة خطاب الكراهية: الذي يشكل تحدياً بارزاً في المشهد السوداني الراهن، وهو أمر بالغ الأهمية لمعالجة الأسباب الجذرية للانقسام.
يؤكد الدكتور كبر أن المشروع سيُنفذ بالكامل داخل الأراضي السودانية، وأنه ليس مؤقتاً أو محدود الأجل، بل سيواصل عمله طالما ظلت التحديات قائمة. هذا الالتزام طويل الأمد يعكس رؤية استراتيجية تتجاوز مجرد المعالجات السطحية. كما أن ترحيب المشروع بالجهود المماثلة والمشاريع المشابهة، وتأكيده على التكامل بين المبادرات، يعزز من فرص تحقيق أهداف أوسع وأكثر تأثيراً. التنسيق القائم بين المشروع ولجنة القائد مالك عقار، وتأكيد عدم وجود أي اعتراض على اللجنة التي شكلها رئيس الوزراء، بل اعتبارها خطوة إضافية، يبرهن على النضج في التعامل مع المبادرات الأخرى والسعي نحو بناء جبهة موحدة للسلام.
إن هذه المبادرات، سواء الرسمية منها ممثلة في المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي، أو المجتمعية ممثلة في المشروع السوداني للسلام الاجتماعي، تحمل في طياتها أملاً كبيراً للسودان. ففي ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، يصبح تضافر الجهود وتكامل المبادرات أمراً حتمياً. إن العمل على تعميق مفاهيم التسامح، وتشجيع الحوار، ومكافحة خطاب الكراهية، ودعم المبادرات الاجتماعية، كلها خطوات ضرورية لإصلاح الحال وإعادة الأمور إلى طبيعتها.
يهدف كبر إلى تمهيد الطريق نحو سودان آمن وموحد ومستقر، عبر طمس آثار الجرائم ومحاسبة من ارتكبها وفق القانون. هذا التأكيد على العدالة يمثل ركيزة أساسية لأي سلم اجتماعي حقيقي ومستدام. فبدون المساءلة، يصعب بناء الثقة وإعادة اللحمة الاجتماعية.
في الختام، يظهر أن السودان يشهد حراكاً إيجابياً نحو تحقيق السلم الاجتماعي. إن الدمج بين الدعم المؤسسي الرسمي والنشاط المجتمعي القاعدي، يمثل نموذجاً واعداً يمكن أن يقود البلاد نحو بر الأمان. فالمعركة من أجل السلام الاجتماعي هي معركة كل السودانيين، وتتطلب تضافر جهود كافة الأطراف، حكومة وشعباً، لتحقيق الاستقرار والوحدة المنشودة.





