
نامت الطفلة على كتفها الهزيل كمن يضع العالم كله تحت ذراعه، لا لتحتمي به، بل لتستسلم أمامه. جسدها ليس جسد طفلة؛ جسدها قصيدة حزينة لم يكتبها محمود درويش بعد، وندبة أخلاقية في جبين البشرية كما قال نزار قباني ذات مرة: “يولد الأطفال كي يأكلوا… فلماذا يولد أطفال الفقراء كي يجوعوا؟”
هذه الطفلة ليست خبرًا عابرًا في نشرة، إنها الجوع نفسه وقد اتخذ شكل إنسان.
انظروا إليها: أضلاعها تلمع كأوتار قيثارة مكسورة، بطنها الغائر يشبه فراغ الحقائب الدبلوماسية حين تمر عبر المعابر الإنسانية ولا تحمل معها شيئًا، يدها التي أسندت رأسها على الجدار كأنها آخر جدار في الكون يستقبل أحلام الجياع.
⸻
*الجوع فلسفة الموت البطيء*
الفلاسفة كتبوا كثيرًا عن الحرية والحب، لكنهم حين تكلموا عن الجوع كانوا أكثر صدقًا. قال سقراط: “لا حرية لجائع”، وقال تولستوي: “أعظم ثورة تبدأ برغيف”، أما سارتر فقال: “الجوع ليس شعورًا بل هو إلغاءٌ لكل شعور.”
وهذه الطفلة هي البرهان الحي لكل تلك الأقوال. هي ليست جائعة فقط، بل مسلوبة من حقها في الإحساس بالحياة. نامت، لكنها لم تحلم. الحلم ترفٌ لا يملكه الجياع، والجوع – كما كتب درويش – “يأكلنا كي نأكله”، لكنه هنا يأكلها وحيدة بلا مقاومة.
⸻
*الفاشر… مدينة تأكلها المجاعة كما تأكل النار الحطب*
الجوع في الفاشر ليس قدرًا نزل من السماء، بل سكين في يد بشر. حصار متعمد، شريان غذاء قُطع بوعي، مدينة تُركت لتختبر الموت البطيء.
الطفلة لا تعرف هذه التفاصيل، لكنها تعرف أن معدتها الخاوية أكبر من أحلامها، وأن ساقيها الرفيعتين لا تقويان على حملها، وأن النوم – هذا النوم الميتافيزيقي – هو الطريقة الوحيدة لمساومة الجوع.
⸻
*بيان الطفلة… أقوى من كل البيانات*
مجلس غرف الطوارئ أصدر بيانًا قال فيه: “لا مكان للبيروقراطية أمام المجاعة.”
لكن بيان الطفلة كان أبلغ: جسدها، أضلاعها، نومها. لا ورق ولا توقيع، بل صمت يصرخ في وجه العالم: “أنقذوني، لا أريد أن أتحول إلى جملة في تقرير أممي أو إلى صورة أخرى في أرشيف الموت.”
⸻
*نداء لا يحتمل التأجيل*
نزار قباني قال ذات مرة: “أطفال العرب يُساقون إلى المذبح ونحن نتفرج.” والفاشر اليوم ليست استثناءً، إنها الامتحان الأخير لإنسانيتنا. هذه الطفلة ليست مأساة إنسانية فحسب، إنها فضيحة كبرى، جريمة أخلاقية في حق البشرية كلها.
نامت الطفلة على كتفها… لكن الجوع لم ينم. الجوع مستيقظ يعدّ أنفاسها، يراقب صدرها، ينتظر لحظة الهزيمة الأخيرة. وإن حدث ذلك، سيُكتب تحت صورتها: “طفلة مجهولة الهوية ماتت جوعًا في الفاشر.”
لكنها ليست مجهولة… إنها الفاشر كلها، السودان كله، ووجهنا الحقيقي حين ننظر في مرآة الدم.
⸻
*🕯️ وحين تموت الإنسانية… نزار قباني يختصرها:*
“عندما تموتُ الإنسانية
تصبحُ الأرضُ مقبرةً كبيرة،
ونصبحُ نحنُ – الأحياء –
مجردَ عظامٍ تمشي على قدمين.”





