مقالات الرأي
أخر الأخبار

الثقافة.. شريان الحياة في زمن النزوح – صفر التراخي – ✍️ محمد العاقب

في خضم المآسي والآلام التي خلفتها الحرب وفي ظل وطأة النزوح القاسية تبرز الثقافة كشريان حياة لا يقل أهمية عن الدعم المادي والإغاثي. إنها الدعم النفسي والمعنوي الذي يحتاجه كل من عاد بعد رحلة مرهقة أو من لا يزال يكابد ويلات التهجير. فكما يصف الاخ الأستاذ/ محمد عبد الله حسين الذي شاركنا تعليقه على عمودنا السابق بعنوان: “ذكرى نجيلة تضيء المشهد الثقافي بسنجة”، قائلًا إن الحاجة إلى النشاط الثقافي في مثل هذه الظروف ليست ترفاً بل هي ضرورة ملحة لتخفيف ثقل الأحزان ومواساة القلوب المنكسرة وبعث الأمل في النفوس المتعبة.

ويضيف محمد عبد الله: يؤلمنا حقاً غياب النشاط الثقافي الفاعل في العديد من المناطق لا سيما بعد تحرير مدن مثل سنجة. لقد كانت هناك حاجة ماسة لمثل هذه المبادرات لتضميد الجراح وتخفيف الأثر النفسي للحرب وتداعياتها لكن للأسف لم نجدها بالقدر المأمول.

 

القضارف.. نموذج يحتذى به في احتضان الثقافة

 

بينما يعاني الكثيرون من هذا الفراغ يبرز نموذج القضارف المشرق كمنارة للأمل ويروي محمد تجربته الملهمة هناك وكيف لفت انتباهه العمل الثقافي المتعدد والمتنوع. لقد كانت هذه الأنشطة جاذبة للنازحين الذين كانوا في أمس الحاجة لتخفيف الأثر النفسي للحرب.

يذكر ود عبد الله كيف قادته خطاه إلى دار اتحاد المهن الموسيقية بالقضارف. هناك وجد إدارة واعية احتضنت المواهب الفنية من فنانين وعازفين أتت بهم ظروف النزوح من مدن شتى كالخرطوم، مدني، سنجة، كركوج، السوكي، والجزيرة. لم يقتصر دور الاتحاد على الفنانين فقط بل امتد ليشمل حتى من لا علاقة لهم بالمهن الموسيقية فأدخلهم في صميم النقاشات وتبادل الأفكار.

 

منتديات ثقافية ناجحة ودور ريادي

 

كانت ثمرة هذا الاحتواء تنظيم منتدى ثقافي أسبوعي ثم نصف أسبوعي يعرض فيه أهل الفن من كل مدينة إبداعاتهم. لقد نجحت الفكرة نجاحاً باهراً وتحملت إدارة الاتحاد كافة المصاريف من أجهزة صوت وكراسٍ ولافتات وترحيل بدعم بسيط من الحضور أحياناً…يذكر الأستاذ محمد مشاركة الأخ عبد الكريم مدير إدارة الثقافة بولاية سنار كعازف في هذه المنتديات مما يعكس الاندماج الحقيقي بين القائمين على الأمر والجمهور.

تجلى الرقي الإنساني لهذه المنتديات في تكريم الأخ الرشيد علي أحمد السنجاوي الذي تعرض للنهب والإصابة على يد المليشيات. لقد كرموه وألبسوه وشاحاً تقديراً لشجاعته وصبره ومواساة له في لفتة إنسانية عكست عمق فهمهم لدور الثقافة في دعم الروح المعنوية.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد ابتدرت إدارة الثقافة بالقضارف منتدى آخر في مسرحها خصصت يوماً حافلاً لسنجة احتفاءً بتحريرها كما أن منتديات الأندية مثل نادي الإصلاح ونادي ديم حمد وغيرها الكثير شكلت مساحات للترويح والتخفيف من معاناة النزوح.

 

المساجد: منارات للثقافة والتعبئة

 

أمر آخر لفت انتباه محمد عبد الله في القضارف هو امتداد الثقافة حتى إلى المساجد لقد أصبحت المساجد منابر ثقافية للتجييش والتعبئة ودعم النازحين..خطب الجمعة ومداخلات العلماء (النازحين) حملت رسالة ثقافية حول كيفية مقاومة الميليشيات ودعم القوات المسلحة وكيفية مساعدة الأهالي الذين سقطت مدنهم وقراهم في أيدي الميليشيات.

من هذه المساجد خرجت عشرات القوافل التي وصلت إلى مدن كثيرة منها سنجة بعد تحريرها مباشرة. ويقول: لقد شهدت شخصيًا أول قافلة لدعم القوات المسلحة والمواطنين في سنجة والتي انطلقت من القضارف بعد تحرير سنجة بأسبوع تقريبًا هذا الدور المحوري لأهل القضارف يستحق التقدير ويجب أن يُحفظ لهم.

 

دعوة إلى تبني الثقافة كأولوية

 

إن الأنشطة والأعمال الثقافية لا تقل أهمية عن الدعم المالي والإغاثي فهي دعم نفسي ومعنوي يحتاجه كل من عاد بعد رحلة مرهقة وعناء النزوح حسب تعليق محمد عبد الله. وتساءل لماذا لا تضع المحليات ضمن برامجها إقامة ليالي وعصريات الأنشطة الثقافية؟ متمنيَأ أن تطلع الوزارة وقطاعها بدورها في مجال الثقافة ولتشارك في ذلك الاتحادات والمجموعات الثقافية.

قديماً قيل: الثقافة تقود المجتمع. واليوم نحن في أمس الحاجة لهذا الدور القيادي هكذا يختتم تعليقه ويعرب عن تمنياته في أن نقتدي بأهل القضارف في دعم هذا المجال الحيوي لنجعل من الثقافة جسراً للأمل ونبضاً للحياة وبلسماً شافياً لجروح الوطن والنازحين.

 

شكر وتقدير

شكرًأ الأستاذ/ محمد عبد الله حسين على التعليق والمشاركة.

وشكر وتقدير لأهل القضارف على دورهم المحوري والمشرف في هذه الأوقات العصيبة لقد أظهرتم أروع صور التكاتف والعطاء فكنتم مضيافين وكانت منتدياتكم ومساجدكم منارات للأمل والدعم للنازحين ومراكز للتجييش والتعبئة لدعم قواتنا المسلحة.

إن ما شهدته سنجة وغيرها من قوافل للدعم التي انطلقت من مدينتكم هو دليل قاطع على نبل أخلاقكم وعمق انتمائكم هذا العطاء يستحق أن يُسجل في أنصع صفحات التاريخ ويجب أن يُحفظ لكم كرمز للصمود والتراحم.

لكم من سنجة وأهلها وعموم مواطنى الولاية كل التقدير والاحترام.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام