
في خضمّ ما يمر به السودان من أزمات متشابكة ندرك تمامًا حجم المعاناة التي يعيشها الوطن والمواطن ونعلم أن جميع الأطراف السياسية المتنازعة على السلطة تظن أو تدّعي أنها الأجدر بقيادة البلاد لكنها في الواقع إما تناست عمق المأساة التي تطحن غالبية أبناء الشعب أو عمدت إلى التلاعب بعقول البسطاء لتبرير صراعات لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية.
لقد تحوّل مصطلح “التهميش” الذي وُجد أساسًا لرفع الظلم وإقرار العدالة إلى شماعة يعلّق عليها كل من أراد بلوغ السلطة مبرراته لكن الواقع أكثر قسوة مما تصفه الشعارات ففي خارج هذا الوطن المكلوم هناك من يعيش في معسكرات اللجوء ومن ترعرع في مخيمات النزوح ومن ينتظر يد المنظمات لتمنحه ما يسدّ رمق أسرته بينما يقف آخرون في صفوف البحث عن عمل لا يليق بمؤهلاتهم العلمية فقط ليعيشوا بكرامة.
أما داخل الوطن فشبابٌ يحلم أن يكونوا عماد الغد وقياداته غائبون ومُغيّبون عن مراكز القرار لا يُستشارون ولا يُسمح لهم حتى بالاقتراب من دوائر التأثير لأن صراع النخب السياسية لا يدور حول بناء الدولة بل يتمحور حول من يحكمها.
وبعيدًا عن تقييم نجاح أو فشل الحكومات السابقة والتي كان معظم رموزها من خريجي المؤسسات العريقة مثل “حنتوب”، فإن النتيجة النهائية تبقى مؤسفة وطنٌ لم يُنقل إلى برّ الأمان رغم مرور أكثر من ستة عقود على الاستقلال.
السودان لم يكن يومًا عاقرًا عن إنجاب الكفاءات بالعكس لقد أنعم الله عليه بكوادر وطنية تحمل همّ البلد وتسعى لنهضته ولكن هذه الكفاءات غالبًا ما وُئدت في مهدها أو أُقصيت بفعل سياسات المحاصصة والمصالح الضيقة التي ما فتئت تُعلي الولاء على الكفاءة والانتماء الحزبي أو القبلي على المصلحة الوطنية.
لقد آن الأوان أن نعترف أن الخروج من هذا النفق لا يكون عبر الصراع على الكرسي ولا عبر تسويات شكلية، بل عبر مصالحة الضمير الوطني والنظر بصدق لما فيه مصلحة البلد فوق كل اعتبار آخر.
ففي وقت تسير فيه دول نحو مستويات عالية من الرفاهية والازدهار ما زلنا نحن نسعى خلف أبسط مقومات الحياة من أمنٍ وخدمات وكرامة إنسانية هذه الحقيقة القاسية وحدها كافية لأن توقظ فينا الشعور بالمسؤولية وتدفعنا إلى التوقف عن العبث بمستقبل وطن بأكمله.
السودان يحتاج إلى من ينهض به من موقع الإيمان بأنه وطنٌ يسع الجميع مع العلم بوجود كوادر وطنية مؤهلة تستطيع النهوض به كما لدينا خيرات وموارد تحتاج لإدارة قوية وحكيمة للاستفادة من هذه الموارد التي حبانا الله بها بوضع استراتيجيات وخطط مستقبلية واضحة من اجل وضع السودان من ضمن الدول التي استطاعت العبور لبر الأمان ، لا تركة لفئة ولا غنيمة لعصبة بل أمانة بين أيدينا وأملٌ لأجيال تنتظر منّا أن نُصلح ما أفسده الصراع الطويل والذي بداء منذ زمن بعيد ليومنا هذا.





