مقالات الرأي
أخر الأخبار

في حضرة الدم والجلاد: مشاهد تعذيبٍ لا تعرف الرحمة” ✍️ علي الفاتح الزبير الهاشمي

لا يكاد يمر أسبوع، بل حتى أيام، دون أن تصفعنا الميديا بمقاطع تنوء لها القلوب قبل الأعين، وتدمع لها الضمائر الحيّة، إن بقي في هذا العالم ضمير. مشاهد تترى، لو قُصّت علينا دون توثيق، لظنناها من وحي خيالٍ شيطانيّ، أو من مشاهد “محاكم التفتيش” في القرون الوسطى. لكن المؤلم أنها سودانية، سودانية الدم والمكان والضحايا.

 

آخر تلك الفظائع، فيديو يُظهر شابًا يافعًا، ملقى على الأرض، جسده النحيل يحمل آثار التعذيب المسبق، كأنما لم تُشفَ جراحه القديمة بعد، حتى توالت عليه سياط جديدة، تُلهب ظهره وكتفيه ووجهه بلا رحمة. سوطٌ يُستخدم للنياق والدواب، أصبح أداة إذلال لإنسان أعزل، لا ذنب له سوى أنه وُلد في بلدٍ صار فيه الجلاد هو من كان يحكم،،، والمواطن هو المتهم مدى الحياة.

 

ثم يظهر أحدهم، غير الذي يُجلد، ينهال عليه بركلةٍ شيطانية في وجهه، بأقصى ما يملك من قوة، بينما ينتعل حذاءه ، كأنما يوجه ركلته إلى كرامة الوطن بأسره. فينزف الشاب، لا فقط من وجهه وأذنيه ورأسه، بل من عمق جرحٍ أكبر… جرح وطنٍ يُجلد ويُركل كل يوم، ولا أحد يوقف الجلاد.

وأناته وصرخاته،، تُصيبنا في مقتل،، بل تقتلنا في كل لحظة وحين.

 

ولا تتوقف المشاهد هنا، فقد سبقها بقليل فيديو آخر أكثر بشاعة. شابٌ آخر، تحت عجلات سيارة دفع رباعي. وذو البزة العسكرية، عضو مليشيا الدعم السريع، يقود السيارة ليوزنها بكل برود لتعتلي رأس ذلك الأسير الاعزل، وهو يضحك ويواصل ارتشاف سيجارته، وكأن شيئاً لم يكن، بل وكأن رأس الشاب الذي سحقته المركبة ما هو إلا حجرٌ على قارعة الطريق.

 

أي قسوة هذه؟

أي قلبٍ ذاك الذي لا يهتز لمنظر جسد يتلوى؟

أي ضميرٍ يحكم هؤلاء إن كانوا بشراً؟

 

ثم نسأل، والمرارة تعصرنا:

لمن تُوجّه هذه الرسائل الدموية؟

من المستفيد من كل هذا الرعب؟

أي غرض سياسي أو عسكري يُبرر كل هذه الوحشية؟

وأي نظام في العالم يسمح لمليشيا أن تتحكم بأرواح الناس، وتمارس سلطتها بالحديد والنار على أجساد الضعفاء؟

 

المؤلم أكثر، أن هذه الانتهاكات ليست سحابة عابرة، بل منهج. ليست تجاوزات أفراد، بل ممارسات ممنهجة، تكررت عشرات المرات، وبالأدلة المصوّرة.ولا تستهدف العسكريين فحسب،، بل تمتد يدهم لكل مواطن اعزل يصادفهم في طريق،، او يؤخذ من منزله بلا تهمة.

وبدون سبب او ذنب، فقدنا كثيرا من أرواح الشباب الغض الاعزل،، بعد أن ماتوا بآلة التعذيب والتجويع والإذلال والإهانة في معتقلات المليشيا. دون أدنى تهمة او جريرة ارتكبوها.

وهذا يعني شيئاً واحداً: الإفلات من العقاب هو من يغذي هذه الوحشية، ويزيدها فتكًا وشراسة.

 

إن كل من ارتكب هذه الجرائم لا بد أن يُحاسب في الدنيا قبل الآخرة. فالأمم التي تسكت عن تعذيب مواطنيها، تمهد الطريق لخرابٍ أعمق من الحرب نفسها.

نحن بحاجة إلى عدالة، لا إلى لجانٍ تموت في أدراج المكاتب. بحاجة إلى محاسبة حقيقية، لا إلى بيانات تنديد لا تسمن ولا تغني من جوع.

بحاجه إلى إرادة سياسية وطنية وحتى عسكرية حقة توقف ذلك الألم والنزيف..

 

رحم الله الشهداء، وشفى الجرحى، وحمى البقية من أن يقعوا فريسة لجنونٍ لا إنساني يُمارس باسم الوطن والديمقراطية، وبسلاح تمّٓ شراؤه من حر مال المواطن وثروة وطننا المهدرة

في غفلة من الزمان، وللأسف ما زالت كذلك،، لم ولن تكن مبرره..

 

أما الشعب السوداني، فقد عرف الصبر كما لم يعرفه شعب.

ذاق مرارات الحكومات المتعاقبة، وتوارث الأحزان جيلاً بعد جيل، وما زال واقفًا رغم كل هذا، يحلم بوطنٍ لا يُعذّب فيه الإنسان، ولا يُركل فيه المظلوم، ولا يُدهس فيه الشباب تحت عجلات الخوف.

 

لكن إلى متى؟

سؤال لا نملك إجابته، لكننا نملك إيماننا العميق:

أن للعدالة يوم، وإن طال.

وأن للحق رجاله، وإن غابوا قليلاً.

 

وكان الله في عون السودان، فقد ضاق بنا الوطن، وضاقت بنا الدنيا.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام