السودان… بوابة الربط القاري وأمل أفريقيا المنسي ✍️ فريق شرطه حقوقي محمود قسم السيد

في خضم التنافس المحموم على مشاريع الربط القاري في أفريقيا، تتجه الأنظار إلى المغرب ومصر وإثيوبيا، بينما يظل السودان – رغم موقعه الجيوسياسي الفريد – بعيدًا عن دائرة الأضواء، في مفارقة لافتة لا تعكس حجمه الحقيقي في معادلة الربط الإقليمي.
ورغم تعقيدات المشهد السوداني الداخلي، إلا أن ما لا يمكن إنكاره هو أن السودان يمتلك مفاتيح استراتيجية قد تجعله عقدة الوصل الأهم في مشروع النقل السككي الأفريقي، إذا ما توفرت الرؤية السياسية، والتخطيط السيادي، والدعم الدولي المدروس.
*موقع يتحدث لغة الجغرافيا*
من يمعن النظر في خارطة القارة يدرك أن السودان يقع في قلب أفريقيا الشرقية، متاخمًا لشمالها وغربها، ويفتح على سواحل البحر الأحمر شرقًا، ما يجعله منفذًا بريًا وبحريًا نادرًا في القارة. وهو ما يسمح له بلعب أدوار متشابكة، ليس فقط في نقل البضائع، بل في تسهيل حركة الشعوب، وخاصة الحجاج والمعتمرين من غرب أفريقيا إلى الأراضي المقدسة في السعودية.
*يمتد هذا الموقع ليجعل من السودان حلقة ربط مثالية بين:*
ميناء بورتسودان وموانئ آسيا،
تشاد والنيجر ومالي في الغرب،
جنوب السودان وأوغندا والكونغو جنوبًا، ومصر وليبيا شمالًا.
إنها شبكة لا تحتاج إلى اختراع، بل إلى تفعيل.
*سكك حديدية… إرث يحتاج إحياء*
يمتلك السودان واحدة من أقدم شبكات السكك الحديدية في أفريقيا، يعود تأسيسها إلى بدايات القرن العشرين، عندما لعبت دورًا محوريًا في ربط المدن والقرى والموانئ. ومع أن هذه الشبكة تعرضت لتدهور كبير بسبب الإهمال المزمن، إلا أنها لا تزال توفر قاعدة بنية تحتية قابلة للتأهيل والتوسعة بتكلفة أقل نسبيًا من البناء من الصفر.
وتشير تقديرات فنية إلى أن إعادة تأهيل خطوط مثل بورتسودان – الخرطوم – نيالا – أدري (تشاد)، ثم ربطها بخطوط تمتد غربًا نحو النيجر ومالي، قد تضع السودان في صدارة مشروع الربط القاري، وتمد أفريقيا بعمق لوجستي جديد نحو البحر الأحمر.
*التمويل.. من يبحث عن أفريقيا؟
على عكس ما يُعتقد، فإن تمويل مشروع بهذا الحجم ليس بالضرورة رهين خزائن الداخل، فالدول الراغبة في التموقع على طرق التجارة العالمية كالصين وتركيا والهند وحتى دول الخليج، تنظر إلى السودان كمنطقة عبور حرجة ضمن ما يعرف بـالجغرافيا التجارية الحرجة .
وقد أبدت جهات صينية، بحسب مصادر دبلوماسية، اهتمامًا مبكرًا بدراسة مشروع ربط بورتسودان بدول الساحل والصحراء، ضمن مبادرة “الحزام والطريق”.
فيما أظهرت أطراف خليجية – في وقت سابق – اهتمامًا بالموانئ السودانية وممراتها البحرية، مما قد يُفتح الباب أمام تحالفات تمويل ذكية ومتعددة الأطراف.
*الحج والعمرة.. منظور لوجستي وإنساني*
واحدة من الزوايا الذكية التي تعزز جدوى المشروع هي زاوية نقل الحجاج من دول غرب أفريقيا. إذ يقطع الملايين سنويًا آلاف الكيلومترات جوًا أو برًا في رحلات مكلفة ومرهقة إلى السعودية.
ويمثل إنشاء خط سكك حديدية يربط نيامي (النيجر) بالخرطوم، ومنها إلى بورتسودان، فعبور البحر إلى جدة، خيارًا واعدًا لتيسير الشعيرة بتكلفة أقل، وتنظيم أفضل.
*الفرصة الذهبية: هل تُغتنم؟
لا يمكن تجاهل التحديات، من هشاشة الأمن إلى تعقيد المشهد السياسي. لكن في عالم الاقتصاد الجيوسياسي، الفرص لا تنتظر الاستقرار الكامل، بل تستثمر في هندسته.
ومع عودة الحديث الإقليمي والدولي عن التكامل القاري، قد يكون الوقت مناسبًا لطرح مشروع “الربط السككي القاري عبر السودان” كمبادرة دولية تتجاوز الاصطفافات، وتراهن على الجغرافيا والمصلحة المشتركة.
فهل يُعاد تعريف السودان لا كدولة عبور فقط، بل كمركز نقل إقليمي؟
أم يُترك مرة أخرى على هامش مشاريع القارة؟
القرار بيد من يقرأ الخريطة، لا من يكتفي بالنظر إليها.
*اللهم نسألك التوفيق والنجاح الدائم





