
في عصر العولمة والانفتاح الثقافي غير المسبوق، أصبحت المجتمعات تواجه تحديات متعددة تتعلق بالحفاظ على الهوية الثقافية والقيم الأخلاقية الأصيلة، في ظل تدفق العديد من السلوكيات الدخيلة التي لا تمت بصلة إلى القيم والتقاليد المحلية. ويقصد بالسلوكيات الدخيلة تلك الأنماط من التصرفات التي تظهر في بيئة اجتماعية معينة نتيجة لتأثيرات خارجية – سواء كانت ثقافية، إعلامية، أو حتى اقتصادية – والتي تكون غريبة عن منظومة القيم والسلوك الاجتماعي المتعارف عليه في تلك البيئة.
، نسلّط الضوء على أبرز مظاهر هذه السلوكيات، أسباب انتشارها، ثم نناقش السبل الواعية والفعالة لمواجهتها بشكل متزن يحفظ للمجتمع توازنه الأخلاقي والاجتماعي دون الوقوع في فخ الانغلاق أو الانعزال.
أولاً:
مظاهر السلوكيات الدخيلة
تتجلى السلوكيات الدخيلة في عدة صور، تختلف باختلاف المجتمعات، ومن أبرزها:
تفشي العنف اللفظي والجسدي: سواء في المدارس أو في الشوارع أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
الاستهانة بالقيم الأسرية والاجتماعية
: مثل بر الوالدين، احترام الكبير، والحفاظ على الروابط العائلية.
المبالغة في المظاهر الاستهلاكية: من خلال تقليد نمط الحياة الغربي في الملبس والموضة والفاخر بالممتلكات.
اللامبالاة تجاه المسؤوليات الاجتماعية: كتراجع روح التطوع وضعف الانتماء الوطني.
انتشار ثقافة التقليد الأعمى للمؤثرين: دون وعي أو تقييم نقدي للمضامين التي يروجون لها.
تفشي ظاهرة الإدمان الرقمي:
بما في ذلك الألعاب العنيفة، المقاطع المسيئة، وتطبيقات التواصل التي تؤثر على التوازن النفسي والاجتماعي للفرد.
ثانياً:
أسباب انتشار السلوكيات الدخيلة(ذات المحتوي المتدني)
لانتشار هذه السلوكيات أسباب متشابكة، نذكر منها:
الانفتاح الإعلامي والتقني:
حيث أصبح الفرد عرضة لمحتوى عالمي لا يخضع للرقابة أو الفحص الثقافي.
الفراغ القيمي والتربوي:
نتيجة ضعف بعض المؤسسات التربوية في غرس المبادئ بشكل عملي ومستدام.
غياب القدوة الإيجابية: سواء في الأسرة أو الإعلام، مما يترك فراغاً يتم ملؤه غالباً بنماذج مشوهة.
الضغوط الاقتصادية والاجتماعية:
التي قد تدفع البعض إلى تبني أنماط سلوكية منحرفة كوسيلة للهروب أو التمرد.
التقليد غير الواعي:
خاصة بين فئة الشباب والمراهقين، بحثاً عن التميز أو إثبات الذات.
ضعف الرقابة الأسرية:
الناتج عن انشغال الوالدين أو غياب التواصل الأسري الفعّال.
ثالثاً: سبل المواجهة الواعية
لا تكمن خطورة السلوكيات الدخيلة في انتشارها فحسب، بل في التعامل غير المتوازن معها، فإما أن يُقابلها البعض بالرفض المطلق والانغلاق، أو بالتساهل والتقبل غير المشروط. لذلك، لا بد من مواجهة واعية تراعي التحديات الحديثة دون التفريط في الثوابت.
1. التربية القيمية المتوازنة
يجب أن تركز المناهج التربوية والبرامج الإعلامية على بناء الوعي القيمي من خلال مواقف حياتية واقعية وليس فقط من خلل التلقين النظري.
تنمية مهارات التفكير النقدي لدى الشباب لتمكينهم من التمييز بين السلوك المقبول والمرفوض.
2. تعزيز دور الأسرة
الأسرة هي الحصن الأول، ومن المهم استعادة دورها التربوي عبر الحوار المفتوح، وتعزيز القدوة، وتوفير بيئة حاضنة آمنة.
بناء علاقة صداقة بين الأهل والأبناء تسهّل الكشف المبكر عن السلوكيات غير المرغوب فيها.
3. دور الإعلام الهادف
تشجيع إنتاج محتوى إعلامي يعكس القيم الأصيلة ويواكب العصر بطريقة جاذبة.
محاربة النماذج الإعلامية التي تروّج للتفاهة والسلوكيات السطحية أو المخلة.
4. المؤسسات التعليمية والدينية
دمج القيم الأخلاقية في المقررات الدراسية بشكل تطبيقي.
تقديم خطاب ديني متزن يحاكي العصر بلغة عقلانية وإنسانية بعيداً عن التشدد أو الانفلات.
5. سن القوانين الرادعة
تفعيل القوانين المتعلقة بمكافحة الجرائم السلوكية، مثل التنمر، والتحرش، والإساءة الإلكترونية.
تنظيم المحتوى الرقمي لحماية الفئات العمرية الضعيفة من الانزلاق وراء سلوكيات مضرة.
6. تمكين الشباب
إشراك الشباب في أنشطة مجتمعية هادفة تعزز من انتمائهم وتوفر لهم بديلاً صحياً للتعبير عن الذات.
دعم المبادرات الشبابية في مجالات الابتكار، التطوع، والفنون والتمثيليات وغيرها
رابعاً: واخيرا
السلوكيات الدخيلة، وإن كانت نتيجة حتمية لانفتاح المجتمعات وتطور وسائل الاتصال، فإنها لا تعني بالضرورة تهديداً مباشراً، إن تم التعامل معها بوعي وفطنة. المطلوب ليس محاربة كل جديد، بل غربلته وتقييمه على ضوء القيم والمصالح المجتمعية الأصيلة. ولا بد من تكاتف الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الإعلامية، والدينية، والحكومية في مشروع وطني شامل يعزز مناعة المجتمع النفسية والثقافية، ويؤسس لجيل قادر على التفاعل مع العالم دون أن يفقد هويته.





