مقالات الرأي
أخر الأخبار

حينما يتحول العلم إلى غطرسة ✍️ علي الفاتح الزبير الهاشمي

*العلم رسالة لا سلطة*

 

العلم في حقيقته رسالة سامية، يحملها الإنسان ليضيء بها العقول ويهذّب النفوس، غير أنّ بعض المتعلمين جعلوه مطيّة للتكبّر والاستعلاء على الناس.

هؤلاء يظنون أنّ المعرفة توقفت عندهم، وأنّ ما سواهم جهلٌ مطلق، فإذا ما جادلهم أحد أو خالف رأيهم، لم يجدوا إلا لغة التسفيه والانتقاص وسيلةً للرد.

 

وليس هذا من روح العلم في شيء؛ فالعلم في جوهره تواضعٌ واعتراف بحدود العقل الإنساني، أما من يظن أنّه بلغ الغاية، فهو أجهل الناس بحقيقة المعرفة. وقد لخّص الشاعر حال هؤلاء بقوله:

 

يا من تدّعي في العلم معرفةً

عَرَفتَ شيئاً وغابت عنك أشياءُ

 

*القرآن يحذر من الغرور بالعلم*

 

القرآن الكريم يضع الأمور في نصابها حين يذكّرنا بحدود إدراكنا: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85]. فالمعرفة البشرية، مهما اتسعت، تظل محدودة أمام علم الله المطلق.

 

وتزداد العبرة وضوحاً في قصة قارون، الذي اغترّ بماله وعلمه وقال: {إنما أوتيته على علم عندي}، فجاء الرد الإلهي سريعاً: {فخسفنا به وبداره الأرض} [القصص: 78]. إنها رسالة صارخة لكل من يجعل العلم سبباً للغرور والتجبر، لا وسيلة للهداية والإصلاح.

 

*الرسول.. والتواضع سبيل الرفعة*

 

في الحديث الشريف، قال النبي ﷺ: “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر” [رواه مسلم]. هذا التحذير يبيّن خطورة الكبر على الإيمان نفسه.

 

ولأن الإسلام دين يربط العلم بالأخلاق، جاء أيضاً قوله ﷺ: “وما تواضع أحد لله إلا رفعه” [رواه مسلم]. فالعلماء الحقيقيون هم أولئك الذين كلما ازدادوا معرفة، ازدادوا تواضعاً وإقراراً بفضل الله عليهم.

 

*الفلاسفة والحكماء.. دروس خالدة*

 

لم يختلف الفلاسفة عبر العصور في تأكيد هذه الحقيقة. فسقراط، شيخ الحكماء، قال: “كلما ازددت علماً، ازددت علماً بجهلي”. أما أفلاطون فكان يرى أن الغرور بالعلم جهل مضاعف. وفي تراثنا العربي والإسلامي، نجد العلماء الكبار مثل الإمام الشافعي يقول: “كلما ازددت علماً، ازددت علماً بجهلي ونقصي”.

 

إنها أصوات متفرقة في الزمن، لكنها تلتقي على حقيقة واحدة: أن من يتكبر بعلمه لم يفهم جوهر العلم أصلاً.

 

*شوقي.. الأخلاق قبل العلم*

 

أمير الشعراء أحمد شوقي قدّم خلاصةً بليغة حين ربط بين العلم والأخلاق قائلاً:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 

فالأمم لا تقوم على كثرة المتعلمين ولا وفرة الشهادات، بل على أخلاق تصون العلم وتوجّه المعرفة نحو خدمة الإنسان. والعلم بلا أخلاق، كما يقول شوقي، قد يكون نقمة على صاحبه وعلى المجتمع.

 

*العلم الحقيقي.. تواضعٌ وإصغاء*

 

العلم لا يقاس بكثرة الكتب التي قرأها المرء ولا بعدد المؤلفات التي كتبها، بل بمدى أثره في نفسه وسلوكه ومجتمعه. العالم الحق ليس من يسفه آراء الناس أو يقلل من قدرهم، بل من ينصت إليهم، فيناقش بعقل، ويحاور برفق، ويعترف أن فوق كل ذي علمٍ عليم.

 

أما المتعلم المتكبر، فإنه لا يزيده علمه إلا جهلاً، لأنه يغلق أبواب الحوار ويعادي الاختلاف. وهو بذلك يحرم نفسه من أعظم دروس المعرفة: أن العلم رحلة لا تنتهي، وأن التواضع هو بوابتها الكبرى.

 

*خاتمة*

 

العلم نور وهداية، لا استعلاء وغطرسة. فمن جعل من شهاداته وأفكاره جداراً يتعالى به على الناس، فقد خسر جوهر العلم وإن ظن أنه ربح. وكما قال أحد الحكماء: “العلم الكثير مع التواضع ينفع الناس، والعلم القليل مع الكبر يضر صاحبه والناس جميعاً”.

 

إننا اليوم بحاجة ماسّة إلى أن نستعيد معنى العلم كرسالة، لا كسلطة.

رسالة تبني الإنسان قبل أن تبني الأفكار، وترتقي بالأخلاق قبل أن ترفع الألقاب. فبالعلم والأخلاق معاً تنهض الأمم، أما بالعلم المتكبر وحده فلا نحصّل إلا جهلاً مغلفاً بالغرور.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام