مقالات الرأي
أخر الأخبار

العلمانية في السودان: بين واقع التنوّع وخطورة التجريد من المرجعية الدينية ✍️ د. علاء عماد الدين البدري

يُثار الجدل كثيرًا في الأوساط السياسية والفكرية السودانية خصوصًا في المحافل ذات التوجهات اليسارية حول مفهوم “العلمانية” وسبل تطبيقها في الدولة السودانية ورغم أن هذا المصطلح ليس بجديد على الساحة الفكرية إلا أن استدعاءه المستمر يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى ملاءمته للواقع السوداني الذي يتميّز بتعدد ثقافي وعرقي لكنّه يستند في مرجعيته الاجتماعية والأخلاقية إلى الدين وتحديدًا الدين الإسلامي الذي يشكل الغالبية العظمى من التركيبة السكانية.

 

في هذا السياق لا بد من التأكيد على أن الإسلام كدين ومصدر تشريعي لا يُقصي الآخر بل يحض على احترام الأديان والرسل السابقين بما فيهم سيدنا عيسى عليه السلام وسيدنا موسى عليه السلام وهو ما يجعل المسلمين بطبيعتهم متقبلين ومقدّرين للوجود الديني الأخر في المجتمع خاصة وأن هذا التعايش قائم على الاحترام المتبادل منذ قرون.

 

إن أي دعوة لإقصاء الدين عن الحياة العامة أو التشريع بحجة “فصل الدين عن الدولة” لا تأخذ في الاعتبار طبيعة المجتمع السوداني ولا تقدر حساسية البنية الثقافية التي تجعل من الدين أحد أعمدة الهوية الوطنية فكيف يمكن بناء نظام حكم لا يستند إلى مرجعية تشريعية متجذّرة في ضمير الشعب؟

 

من هنا يبرز لنا أن الدعوات المتطرفة لعلمنة الدولة ليست بدوافع وطنية خالصة بل تصب في سياق أجندات خارجية تسعى لزعزعة استقرار السودان وإضعاف نسيجه الاجتماعي المتماسك والأسوأ من ذلك أن من يرفعون هذه الشعارات يستشهدون بدول غربية ذات أغلبية مسيحية بينما هم أنفسهم يحترمون تراثهم الديني ويدافعون عنه بشراسة بل ويجعلون من الكنائس والبطاركة رموزًا للدولة والمجتمع ورغم علمانيتها السياسية لا تزال تحتفظ بعلاقة وثيقة برموزها الدينية فبريطانيا على سبيل المثال لا تزال تحتفظ بـ”الكنيسة الأنجليكانية” ككنيسة رسمية للدولة والملك يُتوج تحت إشراف ديني والولايات المتحدة رغم فصل الدين عن الدولة في الدستور تُفتتح كل جلسة للكونغرس بدعاء ديني وتُطبع عبارة “In God We Trust” على عملتها الرسمية.

 

نحن لسنا ضد الانفتاح أو الحوار بل ندعو إليه ولكن يجب أن يتم ذلك من منطلق وطني يحترم خصوصية المجتمع السوداني ويصون تاريخه وقيمه إن بناء دولة مدنية عادلة لا يتناقض بالضرورة مع احترام الدين بل على العكس يمكن أن يشكّل الدين ضامنًا أخلاقيًا للسلم المجتمعي.

 

إن مستقبل السودان لا يُبنى من خلال استيراد نماذج فكرية غريبة عن مجتمعه بل من خلال حوار وطني صادق يُراعي خصوصية شعبه ويصون هويته ويُكرس لقيم العدل والمساواة في ظل مرجعية روحية وأخلاقية تعزز استقرار الدولة لا أن تُفككها باسم الحداثة لابد من النخب السودانية أن تعيد النظر في مواقعها ومواقفها فالقائد الحقيقي لا يكون تابعًا للموضات الفكرية العابرة ولا أداة لنقل المشاريع الغربية إلى الداخل بل هو من يستبطن هموم شعبه ويدافع عن ثوابته ويقود التنوير لا التغريب والإصلاح لا المسخ.

 

إن مسؤولية النخبة ليست في التنظير داخل القاعات المكيفة بل في أن تكون جسراً بين التاريخ والمستقبل بين الأصالة والمعاصرة دون الوقوع في فخ التمرد الأجوف على الدين الذي يُعد الرافعة الأساسية لقيم العدالة والكرامة والمساواة في المجتمع السوداني نقولها بوضوح العلمانية المفروضة لا تمثل وعيًا بل خضوعًا ولا تصنع حرية بل انفصالًا عن الذات والمجتمع فليختر الساسة موقعهم إما في صف الشعب وهويته أو في صف مشاريع لا وطنية لن تكون لهم فيها لا قيادة ولا كرامة.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام