مقالات الرأي
أخر الأخبار

مستقبل الدولة السودانية بين الوهم السياسي والحقيقة المرة ✍️ د. علاء عماد الدين البدري

من المؤلم أن نُقرّ بأن السودان يقف اليوم على حافة هاوية ليس فقط نتيجة حربٍ دمرت البنى التحتية ومزقت النسيج الاجتماعي، بل لأنها كشفت بشكل لا لبس فيه عمق الخلل البنيوي في إدارة الدولة وفشلنا المستمر كنخب وكمجتمع في مواجهة أزماتنا بشجاعة ومسؤولية.

 

واحدة من أعقد تحديات الأزمة السودانية هي غياب الرغبة الصادقة في الاعتراف بالأخطاء سواء تلك التي ارتكبتها الأنظمة المتعاقبة أو التي ساهمنا فيها كمجتمع بصمتنا أو تواطئنا لطالما لجأنا إلى التبرير أو تحميل المسؤولية للآخر دون أن نقف بجرأة أمام مرآة الحقيقة لا يمكن لأي عملية تعافٍ أن تنجح دون مواجهة جذور المشكلة المعالجات السطحية لم تعد تجدي نفعًا، بل تساهم في تأجيل الانفجار فقط فكلما تجاهلنا الحقائق كلما ازداد الثمن الذي سندفعه جميعًا.

 

ما زالت عقليتنا الجمعية سياسيًا واجتماعيًا أسيرة إما لمنطق الإقصاء أو الهيمنة، نطالب بالديمقراطية لكننا نرفض نتائجها إذا لم تأتِ لصالحنا نتحدث عن التعدد لكننا لا نتحمل اختلاف الرأي أو الخلفية الثقافية أو الإثنية وهذه النظرة هي من أبرز أسباب الفشل المتكرر في بناء دولة تستوعب الجميع لقد أعادتنا الحرب إلى نقطة الصفر وهذه ليست مبالغة أو خطابًا عاطفيًا، بل حقيقة نشهدها كل يوم في حياة السودانيين وما لم ندرك أننا أمام مفترق طرق حقيقي فإننا نخاطر بمستقبل وطن بأكمله.

الواقع ببساطة أن أمامنا خيارين لا ثالث لهما:

• إما أن نبدأ طريق التعافي الوطني الحقيقي عبر الاعتراف والمكاشفة والمصالحة الجادة وبناء مشروع سياسي جامع.

• أو نستمر في الدوران في نفس الحلقة المفرغة حتى نصل إلى النهاية الحتمية انقسام البلاد إلى دويلات وتفتيت ما تبقى من كيان الدولة السودانية.

في ظل هذا التشتت الحزبي وغياب برامج وطنية حقيقية عند عدد كبير من التشكيلات السياسية بات من الضروري التفكير جديًا في إعادة هيكلة المشهد السياسي السوداني بما يضمن تمثيلًا حقيقيًا لمصالح الشعب لا مجرد صراع نخبوي على السلطة.

 

أمام حالة الانقسام والتشظي الحزبي التي عمّقت الأزمة الوطنية تبرز الحاجة الماسّة إلى إعادة تأسيس المشهد السياسي السوداني من جذوره لقد أثبتت التجربة بما لا يدع مجالًا للشك أن الأحزاب السياسية الحالية بمختلف أطيافها فشلت في تقديم بديل وطني حقيقي وانشغلت بصراعاتها ومكاسبها الضيقة على حساب الوطن والمواطن من هذا المنطلق فإن حل جميع الأحزاب السياسية القائمة يجب أن يُنظر إليه كجزء من مشروع إصلاحي وطني شامل لا كتصفية سياسية إنه خطوة ضرورية لبناء بيئة سياسية جديدة تقوم على برامج لا على ولاءات وعلى مؤسسات ولا على أفراد.

 

وفي هذا السياق يصبح من الضروري إصدار قانون جديد للأحزاب يُنظّم الحياة السياسية بشكل واضح ويمنع بشكل صريح قيام الأحزاب على أسس قبلية جهوية طائفية أو دينية وأن تتكون ثلاثة أحزاب تجمع كل المكونات السياسية الموجودة على أرض الواقع، ويشترط على أي حزب من هذه الأحزاب الثلاثة أن يقدم رؤية وطنية جامعة وبرنامجًا واقعيًا قابلًا للتنفيذ ضمن إطار دولة المواطنة وسيادة القانون هذا ليس تقويضًا للديمقراطية بل هو إعادة ضبطٍ لها بحيث تكون التعددية أداة لبناء الدولة لا لتفكيكها.

 

لكي نخرج من هذه الدوامة لا بد من إرادة سياسية جديدة وعقلية مختلفة وأدوات تليق بحجم الأزمة لم يعد مقبولًا أن نتعامل مع مصير وطن بحسابات ضيقة أو بمعالجات وقتية لا تمس جوهر المشكلة على النخب السياسية والفكرية أن تدرك أن هذه المرحلة لا تحتمل المجاملة أو “الطبطبة” إما أن تنحاز بوضوح إلى الوطن أو تتحمل تبعات الانهيار أمام التاريخ، لسنا بحاجة إلى شعارات جديدة بقدر ما نحتاج إلى شجاعة أخلاقية ووعي وطني وإذا لم نغتنم هذه الفرصة لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة فإننا شئنا أم أبينا سنشهد مستقبلًا أكثر قتامة مما نتصوره.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام