العاصمة المثلثة بين الرماد والبعث: مقال تحليلي حول الكوارث البيئية والصحية لما بعد الحرب في الخرطوم ✍️ م. الجعلي عبدالقادر أحمد

عاشت الخرطوم بكل مدنها الثلاث (الخرطوم، بحري، أم درمان) واحدة من أسوأ الأزمات في تاريخها الحديث، بعد أن أصبحت ساحة حرب، وشهدت موجات نزوح جماعية، وغابت عنها مؤسسات الدولة قرابة الثلاث سنوات. اليوم، ومع بدايات العودة التدريجية للسكان، تبرز كارثة بيئية وصحية معقدة، تنذر بمخاطر جسيمة على حياة المواطنين ومستقبل المدينة.
-الكارثة البيئية والصحية كما رصدها المختصون:
بعد التواصل مع أطباء ومختصي صحة عامة وبيئة، تم رصد التالي:
اولا: وجود أعداد كبيرة من الجثث المتحللة في المنازل، الشوارع، وتحت الأنقاض دون دفن صحي، ما أدى إلى:
تلوث التربة والمياه الجوفية.
انتشار الروائح السامة والبكتيريا والفيروسات.
-تراكم النفايات المنزلية والطبية والصناعية دون أي تدخل من الجهات المختصة.
-تدمير شبكات الصرف الصحي والمجاري مما سبب اختلاط مياه الصرف بمياه الشرب.
-انتشار واسع للبعوض والحشرات بسبب المياه الراكدة، والمنازل المهجورة، وتغير البيئة الحيوية.
-تدهور حالة المنازل والمؤسسات العامة وتلوثها بعوامل بيئية خطرة كالرطوبة والفطريات والهواء الملوث.
ثانيا : الأمراض المنتشرة حاليًا بين السكان العائدين:
-الحمى النزفية: بسبب البعوض الناقل (Aedes spp) وبعض أنواع القوارض.
الملاريا الحادة والمقاومة للعلاج.
أمراض جلدية تنفسية ناتجة عن التلوث والعفن.
حالات تسمم غذائي ومائي.
أمراض معدية مستوطنة عادت للظهور مثل الكوليرا والتيفوئيد.
ظهور حشرات غريبة وخطيرة لم تكن موجودة من قبل، يُحتمل أن تكون نواقل جديدة لأمراض غير معروفة.
ثالثا:المعالجات المقترحة وفقًا للخبراء:
المعالجة البيئية:
-إزالة الجثث والنفايات بشكل صحي بمساعدة منظمات دولية.
-تطهير الأحياء بالمبيدات والمطهرات.
-إعادة تأهيل شبكات الصرف الصحي وشبكات المياه.
-إنشاء مرادم صحية مؤقتة للتخلص من النفايات.
المعالجة الصحية:
فتح مراكز طوارئ صحية مؤقتة في كل حي لتشخيص الحالات.
-حملات تطعيم عاجلة ضد الكوليرا والحمى الصفراء.
-نشر وحدات طبية متنقلة لخدمة الأحياء العائدة.
-توزيع أدوات الوقاية مثل الناموسيات المعالجة، والمعقمات.
مكافحة الحشرات والبعوض:
-استخدام المبيدات البيولوجية والرش الجوي.
-ردم البرك والمستنقعات.
-تحديد أنواع الحشرات الجديدة بالتعاون مع علماء الأحياء والأوبئة.
رابعا: التوصيات لحكومة الأمل:
تشكيل لجنة عليا لإعادة تأهيل العاصمة بيئيًا وصحيًا.
إشراك المنظمات الدولية والمحلية في الدعم الفني والمالي.
إطلاق خطة وطنية عاجلة لإصحاح البيئة ومكافحة الأوبئة.
وضع بروتوكول واضح لعودة المواطنين تدريجيًا مع ضمان الفحص والرعاية.
تأهيل وتدريب كوادر صحية محلية للتعامل مع الأمراض المستجدة.
ان الخرطوم ليست فقط عاصمة وطن، بل قلبه النابض، وعودتها تعني عودة الأمل، لكن لا يمكن أن يتحقق ذلك دون رؤية صحية وبيئية شاملة.
ما بعد الحرب لا يقل خطورة عنها، ويجب أن تبدأ المعركة الآن ضد الأمراض والموت البيئي، لتُبعث العاصمة من تحت الأنقاض.




