الخرطوم ما بعد التحرير.. فرصة لإعادة البناء والتخطيط ✍️ د. علاء عماد الدين البدري

تعيش الخرطوم لحظة مفصلية في تاريخها بعد أن أعلنت القوات المسلحة السودانية تحرير الولاية بالكامل من التمرد وعودة الأمن والاستقرار إلى شوارعها وأحيائها وقد قوبل هذا الإنجاز الوطني بفرحة عارمة في نفوس المواطنين الذين بدأ بعضهم بالفعل رحلة العودة إلى دياره بينما لا يزال آخرون ينتظرون الترتيبات اللوجستية والأمنية التي تضمن عودة آمنة وكريمة.
إن ما تحقق على الأرض يُعد انتصاراً ليس فقط عسكرياً، بل معنوياً ووطنياً ومع ذلك فإن مرحلة ما بعد التحرير لا تقل أهمية عن المعركة نفسها بل تتطلب من الجميع دولة ومجتمعاً الانتقال من حالة الطوارئ إلى مرحلة التخطيط والتعمير برؤية استراتيجية طويلة الأمد.
لقد كشفت الحرب عن هشاشة بعض البنى التحتية في العاصمة كما أعادت إلى الواجهة تساؤلات قديمة متجددة حول التخطيط العمراني التوزيع السكاني والتنمية المتوازنة بين المركز والولايات فقبل الحرب كانت الخرطوم تُعد مركز الثقل السياسي والإداري والاقتصادي للدولة وموئلاً لأكثر من ثلث سكان السودان في ظل غياب متكافئ للخدمات والتنمية في العديد من الولايات.
وهنا يبرز السؤال:
هل سنعود لإعادة ترميم ما كان أم سنغتنم هذه اللحظة لإعادة تصور شكل العاصمة ودورها بل وشكل السودان بأكمله؟
من هذا المنطلق يبدو ضرورياً أن تتم دراسة عدة خيارات مستقبلية بروح من المسؤولية الوطنية والشفافية من بينها:
• إعادة النظر في مواقع المقار الحكومية والعسكرية ضمن العاصمة وإمكانية الاستفادة من بعضها في مشروعات استثمارية أو تنموية لا سيما تلك المطلة على الواجهة النيلية.
• النظر في إمكانية إنشاء عاصمة إدارية جديدة تُخفف الضغط عن الخرطوم وتعيد توزيع الأدوار.
• إطلاق مشاريع كبرى لإعادة تخطيط الخرطوم وفق معايير حديثة ومستدامة تأخذ في الاعتبار النمو السكاني وتغيرات المناخ والبنية المجتمعية.
• تفعيل دور الوزارات المعنية بالبنى التحتية، التخطيط العمراني، الاستثمار، والمالية، الصحة والتعليم إلى جانب القطاع الخاص والغرف التجارية، لتكوين رؤية مشتركة لنهضة العاصمة.
كما أن إعادة الإعمار لا يجب أن يقتصر على الخرطوم وحدها بل لا بد من مراجعة شاملة لملفات الولايات والعمل على تمكينها من خلال توفير الخدمات الأساسية، والبنى التحتية، والفرص الاقتصادية، بما يضمن توازناً تنموياً حقيقياً يقلل من النزوح إلى العاصمة ويعزز استقرار المجتمع.
وفي هذا السياق قد يكون من المفيد تشكيل مجلس وطني استراتيجي للتخطيط وإعادة الإعمار يجمع بين الخبرات الوطنية من مختلف المجالات ويعمل على صياغة رؤية متكاملة لمستقبل السودان ما بعد الحرب هذا المجلس لا ينبغي أن يكون بديلاً عن المؤسسات القائمة بل أداة داعمة تعكس روح العمل الجماعي في مواجهة التحديات الكبرى.
إن الانتصار العسكري يجب أن يعقبه نصر مدني وتنموي يشعر به المواطن في حياته اليومية ويعيد إليه الثقة في دولته وقدرتها على التجاوب مع تطلعاته فالسلام الحقيقي لا يُقاس فقط بانتهاء المعارك بل بمدى قدرتنا على بناء واقع أفضل يتجاوز ما قبل الحرب نحو مستقبل أكثر إشراقاً وازدهاراً.





