السودان في مفترق طرق: ضرورة المشاركة في “دافوس الصحراء” 2025 – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

يستعدّ العالم مرة أخرى لتركيز أنظاره على مدينة الرياض، التي ستتحول في أواخر شهر أكتوبر 2025 إلى محطة رئيسية للنخبة الاقتصادية والسياسية العالمية، وذلك بانعقاد النسخة التاسعة من مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار (Future Investment Initiative – FII). هذا المؤتمر، الذي أصبح يُعرف بـ “دافوس الصحراء”، لم يعد مجرد منصة لمناقشة التوجهات الاقتصادية العالمية، بل تحول إلى قوة دافعة لرسم خرائط الاستثمار العالمية، وخلق شراكات استراتيجية، وفتح آفاق جديدة للتنمية. في ظل هذه الديناميكية، تبرز حاجة ملحة وملحة لمشاركة فعالة من دولة السودان، خاصة في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها. فهل يمكن أن يكون “دافوس الصحراء 2025” بوابته للخروج من نفق الحرب والدخول إلى فضاء التعافي والاستثمار؟
مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار ليس مجرد حدث عابر؛ إنه بيئة فريدة تتقاطع فيها الرؤى المستقبلية مع الفرص الواقعية. يجمع المؤتمر قادة الدول ورؤساء الشركات الكبرى والمستثمرين المؤثرين وصناع القرار من مختلف القطاعات. إنها فرصة نادرة للتواصل المباشر، وتبادل الأفكار، والترويج للمشاريع، وجذب رؤوس الأموال. تكمن قيمة المؤتمر في قدرته على خلق تفاعلات حقيقية، بعيدًا عن الروتين الدبلوماسي، مما يسهل بناء الثقة وإبرام الصفقات. في دورته التاسعة، من المتوقع أن يركز المؤتمر على مواضيع حيوية مثل الاقتصاد الأخضر، والتحول الرقمي، وتحديات الطاقة، وابتكارات الذكاء الاصطناعي، وهي مجالات باتت أساسية لأي دولة تسعى للتطور.
إن الوضع في السودان، والذي يعاني من ويلات حرب مدمرة، يفرض على قياداته الحالية والمستقبلية التفكير خارج الصندوق. لم تعد الحلول التقليدية كافية. يحتاج السودان إلى تدفقات استثمارية ضخمة لإعادة بناء ما دمرته الحرب، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وتوفير فرص العمل للشباب. البنية التحتية مدمرة، والقطاع الخاص منهك، والخدمات الأساسية متوقفة في أجزاء واسعة من البلاد. في ظل هذه الظروف، قد يرى البعض أن المشاركة في مؤتمر اقتصادي بهذا الحجم أمر ثانوي أو غير مناسب. ولكن العكس هو الصحيح. إنها الفرصة الأمثل لإظهار أن السودان، رغم جراحه، لا يزال حيًا، وقادرًا على التعافي، ولديه مقومات استثمارية هائلة لم يتم استغلالها بعد.
تُعدّ مشاركة السودان في “دافوس الصحراء 2025” فرصة لا تُعوَّض لعدة أسباب جوهرية:
أولاً: جذب الاستثمارات الحيوية: يمتلك السودان ثروات طبيعية هائلة ومتنوعة، تشمل الأراضي الزراعية الخصبة، والموارد المعدنية (الذهب، الحديد، اليورانيوم)، ومصادر الطاقة المتجددة. كما يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي يربط بين أفريقيا والعالم العربي. كل هذه المقومات تحتاج إلى تسويق احترافي. في مؤتمر مثل FII، يمكن للسودان أن يقدم “قائمة مشاريع” جاهزة للاستثمار، من مشاريع البنية التحتية، إلى مشاريع الطاقة، مروراً بالمشاريع الزراعية التي يمكن أن تساهم في تحقيق الأمن الغذائي للمنطقة بأكملها. إن وجود ممثلين سودانيين رفيعي المستوى، لديهم الصلاحية والرؤية، يمكن أن يفتح الباب أمام نقاشات جادة مع مستثمرين وصناديق سيادية تبحث عن فرص استثمارية مربحة على المدى الطويل.
ثانياً: إعادة بناء الثقة الدولية: لقد أثرت الحرب بشكل كبير على سمعة السودان الاقتصادية، وزادت من مخاطر الاستثمار فيه. مشاركة فعالة ومنظمة في مؤتمر عالمي بهذا الحجم تبعث برسالة قوية للعالم مفادها أن السودان ملتزم بالاستقرار الاقتصادي والعودة إلى المسار الصحيح. إنها فرصة لإعادة بناء الثقة مع الشركاء الدوليين، وإظهار الشفافية والجدية في التعامل مع التحديات. يمكن للمسؤولين السودانيين أن يشرحوا خططهم للتعافي، والضمانات التي يمكن أن يقدموها للمستثمرين، والتشريعات التي سيتم إصدارها لتسهيل الاستثمار الأجنبي. هذه الشفافية هي المفتاح لإزالة الحواجز النفسية والمالية التي تعيق تدفق الاستثمارات.
ثالثاً: بناء الشراكات الاستراتيجية: مؤتمر FII ليس فقط عن جذب الأموال، بل هو أيضًا عن بناء العلاقات والشراكات. يمكن للسودان أن يستفيد من هذا المؤتمر لبناء شراكات استراتيجية مع دول ومنظمات إقليمية ودولية. يمكن أن يتم توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات تعاون في مجالات مختلفة، مثل إعادة الإعمار، وتطوير البنية التحتية، والمشاريع الإنسانية. إن الشراكات مع صناديق الثروة السيادية، والشركات العالمية الكبرى، يمكن أن توفر للسودان ليس فقط التمويل، بل أيضًا الخبرة التكنولوجية والإدارية اللازمة لإدارة مشاريع ضخمة.
رابعاً: الاستفادة من الحضور السعودي: لا يمكن إغفال الدور المحوري للمملكة العربية السعودية، المستضيفة للمؤتمر. لقد أثبتت المملكة، من خلال رؤية 2030، أنها قوة اقتصادية فاعلة، وقادرة على خلق بيئة استثمارية جاذبة. العلاقات التاريخية والجغرافية بين السودان والسعودية تجعل من الرياض شريكًا طبيعيًا في عملية التعافي السودانية. يمكن لمؤتمر FII أن يكون منصة لتعميق التعاون الاقتصادي بين البلدين، وجذب استثمارات سعودية مباشرة إلى السودان، خاصة في القطاعات التي تهم السعودية مثل الأمن الغذائي والزراعة.
إن قرار المشاركة في “دافوس الصحراء 2025” يجب أن يكون قرارًا استراتيجيًا ومدروسًا. يجب أن تكون المشاركة مُعدّة بعناية، لا أن تكون مجرد حضور شكلي. يجب أن يكون هناك فريق متخصص يمثل السودان، مزودًا بالبيانات والإحصائيات والمشاريع الجاهزة، ولديه صلاحية التفاوض واتخاذ القرار. يجب أن يتم الترويج لمؤتمر FII كفرصة وطنية، وأن يتم إشراك القطاع الخاص السوداني الفاعل، من رجال الأعمال والخبراء، في إعداد هذه المشاركة.
في الختام، يواجه السودان تحديات هائلة، ولكن في قلب كل تحدٍ تكمن فرصة. مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار 2025 في الرياض ليس مجرد حدث اقتصادي، بل هو بصيص أمل للسودان. إنه بوابته لإعادة تقديم نفسه للعالم كشريك موثوق، وكوجهة استثمارية واعدة. إن إهدار هذه الفرصة يعني إطالة أمد المعاناة، وتضييع وقت ثمين في مرحلة لا تحتمل التأخير. يجب على السودان أن يتبنى شعار “العودة إلى الساحة العالمية” وأن يضع “دافوس الصحراء” 2025 في قمة أولوياته. فالسودان يستحق أن يتعافى، والاستثمار هو الطريق الأسرع والأكثر استدامة لتحقيق ذلك.





