خطوة بخطوة نحو التعافي: هل قرارات السودان الاقتصادية بداية الحل؟ – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

في خضم التحديات الاقتصادية المتصاعدة التي يواجهها السودان، برزت قرارات مجلس الوزراء الأخيرة كخطوة جريئة نحو إعادة ضبط المسار الاقتصادي. هذه القرارات، التي تشمل حظر استيراد السلع دون استمارة IM، وقصر شراء وتصدير الذهب على بنك السودان، ومراجعة سياسات استيراد السيارات، تأتي في وقت حرج حيث يعاني الجنيه السوداني من تدهور غير مسبوق. إنها محاولة واضحة لوقف نزيف العملة الصعبة ومعالجة الاختلالات التي شابت الاقتصاد لفترة طويلة.
لم تكن الفوضى في قطاع الاستيراد والتصدير، وخاصة الذهب، مجرد اختلالات عابرة، بل كانت تمثل ثقباً أسود يبتلع ثروات البلاد. فالاستيراد غير المقنن عبر ما يُعرف بـ “الطبالي” سمح بدخول سلع غير ضرورية أثقلت كاهل الميزان التجاري، بينما أهدرت البلاد مواردها النقدية التي كان من الممكن توجيهها نحو قطاعات أكثر حيوية. القرارات الجديدة تهدف إلى إغلاق هذه الثغرات، وإرساء قواعد واضحة للاستيراد تعتمد على الشفافية والمساءلة.
على الجانب الآخر، يمثل قرار حصر تجارة الذهب على بنك السودان خطوة مصيرية. الذهب، كونه أحد أهم الموارد الطبيعية للبلاد، كان عرضة للتهريب والممارسات غير الشفافة من قبل شركات حديثة الإنشاء، كما أشارت شعبة مصدري الذهب. هذه الممارسات أدت إلى تلاعب بأسعار الذهب، مما أثر سلبًا على قيمة الجنيه السوداني. بتحويل هذه التجارة إلى يد البنك المركزي، يمكن للدولة أن تستعيد سيطرتها على هذا القطاع الحيوي، وتضمن أن عوائده تخدم الاقتصاد الوطني بدلاً من أن تُستغل لتحقيق مكاسب شخصية على حساب المواطنين.
ما يزيد من أهمية هذه القرارات هو تزامنها مع صرخات شعبية وإعلامية تطالب بالشفافية والعدالة. بيان شعبة مصدري الذهب، الذي اتهم صراحة شركات معينة بالتسبب في انهيار الجنيه، ليس مجرد شكوى مهنية، بل هو دعوة صريحة للتحقيق ومحاسبة الفاسدين. هذا الموقف يعكس وعيًا متزايدًا بأن الأزمة الاقتصادية ليست مجرد نتيجة لظروف خارجية، بل هي أيضًا نتاج لممارسات داخلية فاسدة.
الاستياء من تصرفات بعض المسؤولين، مثل وزير المعادن، الذي تجاهل الجهات الشرعية الممثلة لمصدري الذهب واصطحب في وفده شركات غير معروفة، يؤكد أن المشكلة أعمق من مجرد سياسات خاطئة. إنها تتطلب إصلاحًا جذريًا في نهج الحكم يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. هذه المطالبات الشعبية يجب أن تكون محفزًا للحكومة ليس فقط لتنفيذ القرارات الجديدة بحزم، بل أيضًا لفتح تحقيقات شفافة في التجاوزات الماضية ومحاسبة كل من تسبب في الإضرار بالاقتصاد.
بالتأكيد، القرارات الحكومية الأخيرة تمثل نقطة تحول محتملة. إنها بداية جيدة في الطريق الصحيح نحو استعادة الاستقرار الاقتصادي. ومع ذلك، لا يمكن أن تكون مجرد قرارات على الورق. يتطلب نجاحها التزامًا حقيقيًا من جميع الجهات المعنية بتطبيقها ومراقبتها بفعالية. تفعيل دور قوات مكافحة التهريب، ومراجعة القوانين التي تفرض جبايات إضافية على البضائع، كلها خطوات ضرورية لضمان أن هذه القرارات تؤتي ثمارها.
في النهاية، الأزمة الاقتصادية في السودان تتطلب أكثر من مجرد إصلاحات جزئية. إنها تتطلب تغييرًا شاملاً في العقلية وفي الممارسات. إذا كانت الحكومة جادة في مواجهة الفساد واستغلال الموارد الوطنية بكفاءة، فإن هذه القرارات يمكن أن تكون البداية لبناء اقتصاد سوداني يتسم بالعزة والكرامة، ويستعيد ثقة المواطنين والمستثمرين على حد سواء.





