
أبتعدتُ عن الغبار الذي أحدثه انزال العمال لبعض طوب وتراب وأسمنت لأستعصم بظل (راكوبة) منصوبة أمام منزل آخر قيد البناء، فإذا بي اسمع صوتها نديا ريانا وهي تخاطبني في مودة وبلهجة سودانية (فصيحة):
-أتفضل ياعمو زح من الغبار وتعال أقعد بي جاي.
فاذا بها صبية ابنوسية ممشوقة لاتكاد يزيد عمرها عن الخامسة عشر ربيعا…
ابتسامتها النضرة وصدق الترحيب البادي على محياها ساقني سوقا إلى (عنقريب) لا يوجد عليه سوى مخدة وكرّاس ملقى عليه قلم حبر جاف…
مددت لها يدي فمدت لي يدها وامارات الِبشر والترحيب تصطرخ من وجهها الطفوليُّ البرئ ، ثم جلست وثمة أطفال يلعبون بالجوار، ما أن رأوني حتى جاؤني يستجدون، يا أمو أدينا قروش، ياعمو أدينا جنيه، فأنتهرتهم (البنيّة) بين يدي رجائي بأن لاتفعل، ثم أخرجت محفظتي وناولتهم مبلغا طلبت من أكبرهم سنا أن يوزعه بينهم بالتساوي…
أخذ (سايمون) المبلغ باندهاش وقال لي بلهجة سودانية (طلقة)!
-ياعمو دة كتييييير؟
ثم أردفت البنية بذات الدهشة:
-أيوة والله ياعمو القروش الأديتم ليها دي كتيرة شديد، فقلت لها خليهم يفرحوا شوية، ثم غادر الصبية في ركاب سايمون يتصايحون فرحا صوب دكان في الجوار، ونهضت البنية وأتتني بكيس مهترئ فيه حلاوة (كرملّة) ناولتني اياه وهي تضحك في خفر وتقول:
معليش أمي دي والدة ليها يومين وهسي أبوي وداها تقابل الدكتور عشان تعبانة شوية…
-انتو طبعا دينكا؟
فأجابتني بابتسامة فيها مودة بائنة:
-أيوة، ماباين علينا والاّ شنو؟
-لا العفو، لكن بصراحة لهجتكم ب…
-ياعم أنا أتولدت في الكلاكلة ومن جينا سكنا هنا في المعمورة دي بس لينا حداشر سنة…
وأردفت
طبعا شكلك كدة صاحب العمارة القدامنا دي؟
-بالظبط كدة
-وشكلك مغترب كمان؟
-طيب صاحب العمارة قلنا ممكن تخمنيها، لكن مغترب دي عرفتيها كيييف؟
-ياخي بالله دي كمان دايرا ليها درس عصر؟
قالت ذلك وشرعت تزيح بعض الأوساخ الملقاة في المكان، فالتفت ال(كراس) الذي وجدته بجواري فإذا به مكتوب على غلافه بخط جميل مرتب ونظيف
المادة: الانشاء
الأسم: ميري وليم مجوك
ثم قلبت الصفحة الأولى فاذا بموضوع بعنوان (وطني السودان)! …
قرأت المقال، صدقوني ابداع من حيث اللغة العربية والأسلوب والخط!
وعادت البنية فجلست قبالتي على عنقريب آخر ثم قالت:
-إن شاء الله يكون الكراس عجبك؟
-ايوة عجبني شديد والله. بتاع منو دا؟
-شنو يعني، أنا ماعاجباك واللا شنو؟
قالت ذلك باسمة.
-بالله انتي الكتبتي الكلام دا؟!
-أيوة والله ولو عاوزني أسمعو ليك ماعندي مانع.
صدقوني حينها اغرورقت عيناي بالدموع!!
…
ميري دينكاوية ريانة بكل هذا الألق، برغم البيت الراكوبة والحال الذي يغني عن السؤال !!
قلت اخاطب نفسي:
بصدق إن السعادة تنبع من الدواخل ولا دخل فيها البتة بمال أو جاه!!!
ويبقى هذا السودان وطن (لا ولن) ينأى عنه الجمال ابدا…
فكَم أذكت فيَّ ميري تساؤلات الهوية السودانية!
لان كان الأمر أمر لون أو سمت خلقة، أنختلف نحن كثيرا عن لون وسمت ميري وأهلها؟!
بل لعلي اقول صادقا بأن أهلنا الدينكا هؤلاء يمتازون بتقاطيع أجمل
وقوام كم هو ممشوق وفارع!
وهاهي اللغة العربية
تجيدها ميري تحدثا وكتابة!..
وفجأة،
وصل والد ميري تتكئ على كتفه الأيسر والدتها وفي حضنها رضيعها فوقفت اساعدها للاستلقاء على العنقريب الآخر.
ومد لي العم وليم يده شاكرا وهو يقول بعربية (مكسرة) :
-أهلين وسألا فدل ياكي…
ونظرت الي الأم بعيني قد هدهما الضعف والهزال ، فما كان مني الاّ أن أنبأت ميري بأنني أود الذهاب لابتياع بعض الأغراض لهم
فقالت لي:
-والله مافي داعي ياعمو…
فخاطبتها أمها بالدينكاوية فإذا بميري تعنفها وتحاول اسكاتها
فقلت لميري
-سألتك بالله الحاصل شنو؟!
-بصراحة ياعمو أمي دي عندها دوا قالت لي خليهو يشتريهو وأنا رفضت.
ثم قالت عندما احست بعدم رضائي عن أسلوبها مع امها:
-خلاص بس أشتري لينا الدوا دا وكتر خيرك والله ثم ناولتني روشتة الدواء، وعندما اتجهت صوب العربة وفتحت بابها لحقت بي ميري قائلة:
-ممكن ياعمو أجي معاك؟
-مافي مانع اتفضلي.
وقدت عربتي واتجهت صوب شارع 61.
العربة كانت مكيفة وشبه جديدة، وعندما تابعتُ ميري بطرف خفي وجدتها تتنفس بعمق وهي تستقبل هواء المكيف البارد فسألتها:
-في حاجة ياميري؟
لم تجبني في البدء، ثم اشاحت بوجهها تجاه زجاج نافذتها وقالت:
-تعرف ياعمو
والله دي أول مرة في حياتي أركب لي فيها عربية مكيفة زي دي!
وبدت نبرات الصدق بائنة في صوتها الذي تهدج قليلا وهي تواصل:
-مناي في الدنيا دي أخش الجامعة وأبقا دكتورة وأشتري لي عربية زي دي وأفسح بيها ناس أبوي وأمي!
أحسست بعبرة تسد حلقي وبالدموع توشك أن تسيل من عينيّ ولم اجبها…
وصلنا الى صيدلية بعيد نادي المحامين وابتعت لها الدواء، وعندما عدت أحسست بها تود الحديث إلي.
-مالك ياميري في حاجة؟
-والله ياعمو عاوزة أطلب منك طلب لكن خايفة أكون كترتها.
-يابت قولي، صدقيني مافي اي مشكلة.
-طيب، أختي عندها تركوما ومحتاجة لي قطرة ممكن تشتريها ليها؟
القطرة التي تطلبها ميري لأختها الصغيرة لم تكن تكلف أكثر من آلاف ثمان (بالقديم)!!
ما كان مني إلا أن عدت راجلا إلى ذات الصيدلية وابتعت القطرة ثم قلت لها:
-شوفي دي قطرة اختك، وبكرة تسوقي أمك وأخوانك للمستشفى عشان يكشفوا ويدوهم علاج كامل، فأطرقت ميري ولم تجب…
ووجدت في طريق العودة سوبرماركت وبجواره مكان لبيع الفواكه فطلبت من ميري أن ترافقني للشراء لكنها رفضت واقسمت بأن لا أكلف نفسي واشتري لهم شيئا آخر، فألححت عليها وأخبرتها بأن لامناص من ذلك، فما كان منها إلا أن دمعت عيناها وأطرقت ثم بقيت في العربة!
نزلتُ لوحدي وأبتعت ما شاء لي الله من أغراض لأسرتها، من زبيب وفواكه وتانك وعسل وسكر وشاي بل لعلي ابتعت كل ماخطر لي في البال مما أضطرني لأن أستعين بعاملين من العمال لحمل الأغراض الى العربة.
وفي الطريق مررت على ملحمة فابتعت لحما وأتبعت ذلك بدجاجتين
وكلما عدت الى العربة كنت أجد ميري تشيح بوجهها عني ولا تتحدث إلي.
وصلنا الى (الراكوبة) فقمت بمعاونة والدها وأخوتها الصغار لانزال الأشياء من العربة وظل وليم يتحدث لي متلعثما بحديث نصفه شكر والآخر دعاء، ورأيت الوالدة تتحدث الى ميري ثم شاركهما وليم الحديث، وصنعت لي ميري شايا وأتتني به وهي دامعة العينين
فسالتها:
-ياميري الحاصل شنو؟!
-مافي حاجة والله ياعمو بس بصراحة…
-في شنو أتكلمي.
-والله ياعمو دي أول مرة زول يعمل معانا العملتو دا ووالله أنا وأمي وابوي ماعارفين نشكرك كيف واللا نقول ليك شنو زاتو.
-لاتشكروني ولا حاجة أنا ماعملت غير الواجب.
ثم أخرجت مبلغا (معتبرا) أعطيت نصفه لميري وناصفت الباقي مابين أمها وابيها
وبالطبع لم تقبل ميري في البدئ المبلغ لكنني ألححت عليها فتقبلته على مضض ثم رافقتني الى العربة شاكرة ودامعة وهي وامها يستحلفاني بأن ااتي في الغد لتناول طعام الغداء لديهم،
فأعتذرت لهم بأنني في طريقي الى الشمالية في الغد ولكن وعدتها بأن أمر عليهم عند عودتي من هناك.
وعدت بعد أسبوع أمضيته في الشمالية بقيت ميري واسرتها خلاله يلوحون لي في خاطري كلما أظلتني هدأة أو أويت الى فراش…
كم كنت ارى فيها (أشواق) وطن ينشد وحدة، وحراك حياة يتابى على الممات، واصطراخ جمال بشري يتفلت على الكره والازجاء، وعيني ابنة تربو بنبل إلى مستقبل زاهر يولد زاهرا من بين براثن الفقر والمرض والجوع…
وعدت لأفي بوعد قطعته لميري وأمها وقد حملت معي كل ما يكفي لغداء شهي.
يومها، قالت لي ميري وهي تستقبلني على مشارف راكوبتهم:
-ياعمو حرام عليك انتا كدا بالغت معانا كتيييير والله.
فقلت لها:
-اعتبري العزومة المرة دي عليّ والجاية عليكم
فقالت:
-والله انت تستاهل الناس توقد ليك الأصابع العشرين شمع! …
لكم اعجبني ذكاءها وحضور بديهتها واناقة ردودها!
قلت لميري:
-جهزوا الغداء لغاية ما أمشي اشوف العمال الشغالين في بيتي وأرجع.
-بس ماتقدر ياعمو عشان الأكل الكتير الجبتو دا مايبرد، وكمان لأنو ماعندنا فرن ولا مايكرويف (وختمت حديثها بابتسامة)!
فعدت خلال نصف ساعة وجدت ميري ووالدها قد وضعا عنقريبين بموازاة بعضيهما وقد (رشت) المكان بالماء ومهدته ثم أتت بصندق خشبي وضعته كمنضدة مابين العنقريبين ثم جلسنا ثلاثتنا بعد أن أفردت ميري لأمها وأخوتها الصغار مائدة أخرى بالجوار
فقلت لها:
-مش كان أحسن ناكل كلنا مع بعض؟
-معليش امي دي بتخجل من الرجال والشفع ديل بعملوا ليك جوطة ساي…
وظل الاب يتمتم شاكرا بكلمات افهم بعضها واجهل الكثير…
وبقيت ميري تبتسم وهي تفسر لي كل كلمة (تحس) عدم فهمي لها…
وخلال كل ذلك ظلت ترمق والدها بنظرة حانية، صدقوني لكأنها هي الوالد وهو الابن أو الابنة!
فسألتها:
تعرفي ياميري كلنا بنحب آباءنا لكني شايفك بتحبي ابوك وأمك ديل بصورة عجبتني كتيييير…
فقالت لي:
-تعرف ياعم عادل الزي ناس أبوي ديل تعبوا كتيييير خلال حياتم ومازالوا.
وأهو أنتا شايف كيف بتعبوا عشان الزيّي أنا يتعلم ويعيش حياة أحسن من العاشوها هم، باقي ليك بي كدا مابيستحقوا كل حب وتقدير وتضحية؟!
لله درك ياميري.
وفرغنا من تناول طعام الغداء ثم شرعت ميري تلملم الصحون من فوق الصندوق الخشبي وهي باسمة فبادرتها قائلا:
-شايفك قبيل قلتي انو ماعندكم مايكرويف، هل تعرفي ياميري انو الكتير من بناتنا في الشمالية ماشافن ولاحتى سمعن بي المايكرويف دا؟!…
فقالت لي باسمة:
-صدقني ياعمو أتعودت أ زور بنات زميلاتي كتااار شايقيات وجعليات ورباطابيات ومحس وكانو دايما بكلموني عن معاناة اهلهن وأسباب هجرتن من قراهم للخرطوم، فكنت بتالم ليهم كتير ودايما بتشاكل مع صاحباتي الجنوبيات لمن يقعدوا يتكلموا عن ظلم الشماليين لينا وانفرادن بالثروة وكدا…
ثم اردفت:
وكمان في حاجة تانية، كل ما ربنا يقدر لي بي قعدة قدام التلفزيون واشوف فيهو الحياة المرفهة البعيشوها بعض الناس وبعد دا ألقاهم ماسعيدين بحمد الله كتيييير على راحة البال العايشا فيها أنا مع أبوي وأمي وأخواني ديل!
فأجبتها:
-صحي السعادة وراحة البال ما بالمال ياميري.
ثم بثلاث أكواب من الشاي كن فوارغ لقناني مربة وعلى غطاء لعلبة حليب نيدو!
وبادرني والدها قائلا:
-ياسيادتك أنا آوز أشتقل مع جماأة تُلب ديل في بيت بتاء انت.
وعقبت ميري:
-بالمناسبة أبوي دا أشتغل كتير في البنا وعندو فكرة كويسة في التشطيبات.
فأجبتهما:
-ماعندك مشكلة ياعم وليم، من بكرة ان شاء الله حأكلم ليك المهندس والمقاول عشان يشغلك.
وجاءني شقيقي خالد-الذي يصغرني- ليعلمني بأنه قد كان في مهمة عمل الى جبل أولياء وقد أتى محملا ب(قفة) من السمك ليأخذني الى بيته لتناول الغداء…
ثم قال متسائلا:
-ياخي الحاصل شنو جوالك مالو مقفول؟!…
فاعتذرت له بأن البطارية قد فرغت وأننا قد فرغنا لتونا من تناول الغداء…
هنا ماكان من ميري وأبيها الاّ أن الحّا عليه لأن يأتيا له بغداء فاعتذر
فيممت الى عربة أخي وأخذت من السمك مايكفي ميري واسرتها ثم أعلمته بأنني سأكون معهم على مائدة العشاء باذن الله.
وفي الغد أتصلتُ بالمهندس المسئول وطلبت منه الحاق وليم بالعمل مع العمال فاستجاب مشكورا…
وعند قدومي في المساء استقبلني وليم هاشا باشا ولكأني به يريد اشعار بقية العمال – وجلهم من أهلنا النوبة- بأنه أكثر قربا منهم الى صاحب المنزل…
والتفت فإذا بميري تناديني من أمام راكوبتهم وهي في قمة أناقتها حيث تتزيا بفستان مخطط بالأحمر والابيض والأزرق قالت لي بأن اسمه سيجنال 2 مجيبة على اشادتي بأناقتها وذلك بعيد جلوسي على العنقريب لارتشف الشاي الذي اتتني به، بينما جلست هي تتصفح جريدة الخرطوم التي نسيتها لديهم بالأمس، فسألتها:
-بتحبي تقري الجرايد ياميري؟
-والله بحبها شديد لمن ألقاها، خاصة جريدة الخرطوم دي
-طيب أكتر حاجة بتحبيها في الجريدة شنو؟
-بحب الصفحة الأخيرة الفيها عمود (خواطر)!
-تاني هواياتك شنو؟
-بحب الاذاعة جدا وعندي رادي كان اشتريتو من قروش شغلي في بيت دكتورة طيبانة شديد كانت شغالة في مستشفى القلب لكنها سافرت السعودية.
فانتبهت الى أن ميري تمتلك خامة صوتية جميلة، وهي فوق ذاك صاحبة لغة عربية جيدة وتتميز باجادتها لمخارج الحروف.
-طيب لو لقيت ليكي فرصة وظيفة في الاذاعة أو التلفزيون عندك مانع؟
-والله دا مانع دا؟! قالت ذلك ضاحكة.
فجعلت من أمر توظيف ميري في احدي الإذاعات أحد أهداف أجازتي وبحمد الله أثمرت اتصالاتي بالأصحاب لتنضم ميري الى إذاعة تبث على موجة ال FM لكن بعد أن قطعت عليّ وعدا بعدم انقطاعها عن الدراسة المسائية وظلت تتواصل معي بعيد انتهاء اجازتي، إلى أن حدث الانفصال فانقطعت أخبارها.
(انتهت)
adilassoom@gmail.com





